ويفهم من هذه الآية أنّ محبة العبد لله تستلزم اتباعه باتباع رسوله صلى الله عليه وسلم واتباع الرسول يستلزم محبة الله للعبد.
ومحبته صلى الله عليه وسلم من موجبات الإيمان بل من الإيمان نفسه كما يدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم: " لا يؤمن أحداً حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين "(1).
وفي هذا الحديث جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم أقسام المحبة التي تكون بين الناس وهي ثلاثة:
1- محبة إجلال وإعظام كمحبة الولد والده.
2- محبة إشفاق ورحمة كمحبة الوالد ولده.
3- محبة مشاكلة واستحسان كمحبة سائر الناس.
ومحبته صلى الله عليه وسلم فوق هذا كله كما يفيد أفعل التفضيل في قوله: " أحب إليه ".
وفي هذا المبحث سوف نتحدث عن المسائل المتعلقة بهذا الموضوع وهي على النحو التالي:
1- معنى المحبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
2- أنواعها.
3- علاماتها.
4- ثمرتها.
5- صور من حب السلف للرسول صلى الله عليه وسلم.
وسوف أبحثها -إن شاء الله تعالى- وفق هذا الترتيب.
1- معنى المحبة: ذكر العلماء في أصل اشتقاق المحبة عدة أقوال. وإني هنا أذكر أهم ما قيل فيها: يقول الفيروزأبادي: "وهذه المادة تدور في اللغة على خمسة أشياء:
أحدها: الصفاء والبياض -ومنه قيل: حبب الأسنان لبياضها ونضارتها.
الثاني: العلو والظهور -ومنه حبب الماء وحبابه وهو ما يعلو من النفخات عند المطر وحبب الكأس منه.
الثالث: اللزوم والثبات -ومنه حب البعير وأحب إذا برك ولم يقم.
الرابع: اللباب والخلوص - ومنه حبة القلب للبه وداخله، ومنه الحبة الواحدة الحبوب إذ هي أصل الشيء ومادته وقوامه.
الخامس: الإمساك والحفظ - ومنه حبب الماء للوعاء الذي يحفظ فيه ويمسكه. وفيه معنى الثبوت.
ثم قال: ولا ريب أنّ هذه الخمسة من لوازم المحبة(2).
(1) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان، باب حب الرسول صلى الله عليه وسلم من الإيمان (1/12).
(2) بصائر ذوي التمييز: (2/416-417).