روى البخاري بسنده عن طارق بن شهاب قال: قالت اليهود لعمر: إنكم تقرأون آية لو نزلت فينا لاتخذناها عيداً فقال عمر: " إني لأعلم حيث أنزلت وأين أنزلت وأين رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أنزلت يوم عرفة، وإنا والله بعرفة "(1).
ومن هنا أقول إنّ هذه الآية نزلت بعد جهاد طويل دام ثلاثة وعشرين سنة وفي وقت أظهر الله دينه وفي حجة الوداع الذي لم يحج فيه مشرك لما ورد في الصحيح.
روى البخاري بسنده عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: " بعثني أبو بكر -رضي الله عنه- في تلك الحجة في المؤذنين بعثهم يوم النحر يؤذنون بمنى أن لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان "(2).
وكان ذلك في العام التاسع من الهجرة. ولهذا لم يحج عام حجة الوداع الذي حج فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم مشرك.
كما أني أقول أيضاً: إنّ الرسول صلى الله عليه وسلم قد أبلغ الأمة ما كلف به دون كتمان شيء تنفيذاً لأمر الله تعالى: ((يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ)) [المائدة:67].
وتقول عائشة أم المؤمنين -رضي الله عنها- في هذا الصدد: " من حدثك أنّ محمداً قد كتم شيئاً مما أنزل عليه، فقد كذب، والله يقول: ((يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ)) [المائدة:67] (3)(4).
(1) صحيح البخاري، كتاب التفسير، باب: (اليوم أكملت لكم دينكم) (3/123).
(2) صحيح البخاري، كتاب التفسير، باب: (وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج) (3/134).
(3) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير، باب: (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك) (3/125).
(4) قال القاضي عياض: كذا الرواية فيه بالتاء المثناة فوق وهو بعيد المعنى، قيل صوابه ينكبها. ومعناه ويرددها إلى الناس مثيراً إليهم، ومنه نكب كنانته إذا قلبها. شرح النووي على صحيح مسلم (8/184) وانظر مقدمة هذا البحث.