تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وبالتأمل نرى أنه لا تعارض بين القولين؛ لأن القول الثاني داخل في القول الأول؛ إذ هو استشهاد بالآية عليه، ولكن القول الأول هو الأصل في الآية ولا يمكن إغفاله لوجوه:

أولاً: أنه سياق السورة كلها والآية في خطاب المشركين، كما ذكر ابن جرير.

قال ابن جرير في تأويل الآية السابقة لهذه الآية: "الخطاب من مبتدأ هذه السورة إلى هذه الآية، والخبر خرج من الله عزّ وجلّ خطاباً للمشركين وخبرا عنهم، وتوبيخا لهم، واحتجاجا من الله تعالى ذكره لنبيه صلى الله عليه وسلم عليهم" ([6]). فإذا كانت السورة كلها في المشركين، فما الذي يجعلنا نخص هذه الآية ونخرجها عن سياقها.

ثانياً: أن الآية نازلة في مكة، وعبد الله بن سلام لم يسلم إلا بعد الهجرة، فيكون تضمن الآية له على وجه العموم. ويؤكد ذلك ما أخرجه ابن جرير عن مسروق قال: (والله ما نزلت في عبد الله بن سلام، ما أنزلت إلا بمكة، وما أسلم عبد الله إلا بالمدينة، ولكنها خصومة خاصم محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم بها قومه) ([7]).

وعلى هذا فلا يكون تفسير السلف مخالفاً للسياق، ولعل ما ورد عن السلف في تفسير الآية من باب دخوله في جنس الشاهد أو أن النبي صلى الله عليه وسلم استشهد بالآية عليه، وذكرها فيه، وهذا كثير في تفاسير السلف.

قال شيخ الإسلام":وقوله تعالى: ﴿وَشَهِدَ شَاهِد﴾ ليس المقصود شاهداً واحداً معيناً، وقول من قال: إنه عبد الله بن سلام ليس بشيء، فإن هذه نزلت بمكة قبل أن يعرف ابن سلام، ولكن المقصود جنس الشاهد" ([8]).

قال ابن كثير":وهذا الشاهد اسم جنس يعم عبد الله بن سلام وغيره فإن هذه الآية مكية نزلت قبل إسلام عبد الله بن سلام" ([9]).

ثانياً: تنازع دلالة السياق مع العموم.

كثيراَ ما يظهر تعارض القول بالعموم مع السياق الخاص في الآية عند الترجيح، وبالنظر والتأمل يتبين أن القول بما يوافق السياق هو الأصل، ولا يعارض ذلك القول بالعموم فيما هو في حكمه، وبذلك يتفق العموم مع السياق الخاص، لأن القاعدة الأصولية المعتبرة أن (العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب).

وما ذهب إليه صاحب قواعد الترجيح من قوله ":وقواعد العموم مقدمة على قواعد السياق وغيرها، فقواعد العموم أقوى من قواعد السياق" ([10]).

وهذه القاعدة محل نظر، لأنه لا تعارض بين قواعد العموم والسياق، إذ السياق دال على حكم خاص يؤخذ منه العموم، فكيف يقدم القول بالعموم.

ولذا نجده - وفقه الله - مع تقريره لهذه القاعدة إلا أنه قد بيّن تخصيص السياق للعموم في قاعدة أخرى فقال: قاعدة (يجب حمل نصوص الوحي على العموم ما لم يرد نص بالتخصيص)، ثم يبين المخصص بأنه السياق أو الدليل بقوله: (إلا أن يكون السياق يقتضي تخصيصها حتماً، أو يقوم الدليل على ذلك) ([11]).

ولا يجوز بحال إخراج الآية عن سياقها إلى عموم غير مناسب للسياق لأن ذلك يخرج الآية عن مقصودها وغرضها وسياقها، ومن هنا قلنا بلزوم الانطلاق من السياق في القول بالعموم، ولهذا نستطيع القول بأن السياق هو المحدد للعموم والموجه له.

قال صاحب رسالة أسباب النزول وأثرها في بيان النصوص: "هل يعد السياق عند العلماء مخصصاً للعام أم لا"؟.

قلما تعرض العلماء لهذه المسألة، ولكن ورد عن الشافعي في الرسالة ما يقتضي التخصيص بالسياق، فإنه بوب على ذلك فقال: (باب الذي يبين سياقه معناه) وأورد فيه قوله تعالى: ﴿وأَسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾ فإن السياق أرشد إلى أن المراد أهلها، وهو قوله تعالى: +إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ" [الأعراف 163]) وما ذهب إليه قوي؛ لأن السياق نوع من القرائن، ولا ريب في أن الناس في مخاطباتهم يتركون العام لأجل القرينة الدالة على إرادة الخصوص، والشرع يخاطب الناس بحسب تعارفهم ([12]).

السياق القرآني · الصفحة ٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

السياق القرآنيص ٧