يعتبر السياق عند العلماء والمفسرين أساساً في فهم الكلام، وأصلاً يحتكم إليه، وبخاصة في كلام الله تعالى الذي بني على أغراض معتبرة، ونظم متحد، وقد تظافرت وتواترت أقوال العلماء في تأكيد ذلك وتقريره.
قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه":إن هذا القرآن كلام الله عز وجل، فضعوه على مواضعه، ولا تتبعوا فيه أهواءكم" ([5]).
قال مسلم بن يسار":إذا حدّثت عن الله حديثاً فقف! حتى تنظر ما قبله وما بعده" ([6]).
وقال عز الدين بن عبد السلام في كلام طويل يدل على أن السياق أصل معتبر عند العلماء":السياق مرشد إلى تبيين المجملات، وترجيح المحتملات، وتقرير الواضحات، وكل ذلك بعرف الاستعمال، فكل صفة وقعت في سياق المدح كانت مدحاً، وكل صفة وقعت في سياق الذم كانت ذماً .. " ([7]).واستطرد في ذكر الأمثلة على ذلك.
وقال الشاطبي مبيناً كون السياق عمدة في فهم كلام الله تعالى":فلا محيص للمتفهم عن رد آخر الكلام على أوله، وأوله على آخره، وإذ ذاك يحصل مقصود الشارع في فهم المكلف، فإن فرق النظر في أجزائه فلا يتوصل به إلى مراده، ولا يصح الاقتصار في النظر على بعض أجزاء الكلام دون بعض" ([8]).
وقال شيخ الإسلام":ينظر في كل آية وحديث بخصوصه وسياقه، وما يبين معناه من القرائن والدلالات، فهذا أصل عظيم مهم نافع، في باب فهم الكتاب والسنة، والاستدلال بهما مطلقاً، ونافع في معرفة الاستدلال والاعتراض والجواب، وطرد الدليل ونقضه .. وفي سائر أدلة الخلق" ([9]).
فانظر كيف كان السياق عند ابن تيمية هو الأصل العظيم في فهم الكتاب والسنة، وفي كل العلوم أيّاً كانت، بل وفي جميع حجج الخلق واستدلالاتهم.
وقال أيضاً":فمن تدبر القرآن، وتدبر ماقبل الآية وما بعدها، وعرف مقصود القرآن، تبيّن له المراد، وعرف الهدى والرسالة، وعرف السداد من الانحراف والاعوجاج، وأما تفسيره بمجرد ما يحتمله اللفظ المجرد عن سائر ما يبين معناه، فهذا منشأ الغلط من الغالطين" ([10]).
وقال ابن القيم":فائدة: إرشادات السياق: السياق يرشد إلى تبيين المجمل، والقطع بعدم احتمال غير المراد، وتخصيص العام، وتقييد المطلق، وتنوع الدلالة، وهو من أعظم القرائن الدالة على مراد المتكلم، فمن أهمله غلط في نظره، وغلط في مناظرته" ([11]).
وقال الزركشي: "دلالة السياق أنكرها بعضهم، ومن جهل شيئاً أنكره، وقال بعضهم: إنها متفق عليها في مجاري كلام الله تعالى" ([12]).
ويقول محمد رشيد رضا نقلاً عن شيخه محمد عبده":وإن أفضل قرينة تقوم على حقيقة معنى اللفظ: موافقته لما سبق له من القول، واتفاقه مع جملة المعنى" ([13]).
وتقول بنت الشاطئ":إن ضوابط منهجنا الالتزام بصريح النص وحكم السياق، والالتزام بدلالات الألفاظ كما يعطيها الاستقراء الكامل لكل مواضع ورود اللفظ في المصحف والاحتكام إلى توجيه صريح السياق" ([14]).
رابعاً: أن السياق القرآني هو المعتبر في حل الخلاف والإشكال والتشابه اللفظي في الآيات، وهو الدال على المناسبات وأسرار التعبير في الآية.
يعتبر السياق من أعظم القرائن في الترجيح، وحل المشكلات والمتشابه من الآيات هو السياق.
قال الزركشي":وما يعين على معرفة المعنى عند الإشكال .. دلالة السياق: فإنها ترشد إلى تبيين المجمل، والقطع بعدم احتمال غير المراد ... " ([15]).
وقال ابن جزي الكلبي":من أوجه الترجيح: أن يشهد بصحة القول سياق الكلام، ويدل عليه ما قبله وما بعده" ([16]).
وهو أيضاً الدال على المناسبات، والكاشف لأسرار التعبير في الآيات إذ أن التعبير في الآية وارد على حسب السياق والغر ض فيها.
--------------------------------------------------------------------------------
([1]) ((قواعد الترجيح عند المفسرين)) (1/ 320).
([2]) أخرجه الترمذي (5/ 236) رقم (3175) وصححه الألباني في صحيح الترمذي رقم 2537