3 - مناسبتهما لما بعدهما من حيث أن مجموعهما المتضمن للترهيب والترغيب والخوف والرجاء كما تبين، وهو مناط العبودية، مناسب تمام المناسبة للآية بعدها مباشرة وهي قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة 5]. فكأن القارئ بعد أن يستحضر المعنيين جميعاً ويحققهما، يتوجه إلي ربه فيقول +إِيَّاكَ نَعْبُدُ". واستحضاره لمعنى دون الآخر لا يتحقق به كمال العبودية، وإن كان كل قراءة متضمنة للمعنيين جميعاً، ولكن تحقيق المعنيين وكمالهما يتحقق صراحاً بمجموع القراءتين، ولذا كانت القراءتان راجحتين جميعاً على السواء ([9]).
وللاحتجاج على رجحان الجمع بينهما أوجه أخرى لا تتعلق بالسياق أعظمها وأولها ثبوت القراءتين جميعاً عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ([10])، وتواترهما ولا سبيل مع هذا الوجه لأحد في ترجيح القراءة بينهما، وقد أخذ على إمام المفسرين ابن جرير رحمه الله وغيره ترجيح قراءة ﴿ملك﴾ على ﴿مالك﴾. ولكن يعذر له أنه لا يقصد بحال رد القراءة الثانية، وإنما يقصد أن قراءة ﴿ملك﴾ أبلغ وأعظم معنى، ولو سلك في ترجيحه هذا المسلك لكان أولى. والله أعلم.
--------------------------------------------------------------------------------
([1]) من تلك المؤلفات ((جمال القراء وكمال الإقراء للسخاوي))، (كشف الضياء في تاريخ القراءات والقراء للدكتور صابر أبو سليمان)) (تاريخ القراءات في المشرق والمغرب للدكتور محمد المختار)) ((صفحات في علوم القراءات للسندي)).
([2]) انظر: ((صفحات في علوم القراءات لأبي الطاهر السندي)) (ص137).
([3]) انظر: ((مناهل العرفان)) (1/ 149).
([4]) انظر:. ((السبعة في القراءات)) (1/ 104)، ((حجة القراءات)) (1/ 82)، ((جامع البيان)) (1/ 94)، ((المحرر الوجيز)) (1/ 31)، ((مفاتيح الغيب)) (1/ 192)، ((البحر المحيط)) (1/ 31)
([5]) للاطلاع على بيانهم انظر: ((جامع البيان)) (1/ 94)، ((المحرر الوجيز)) (1/ 31)، ((مفاتيح الغيب)) (1/ 192)، ((البحر المحيط)) (1/ 31)، ((الجامع لأحكام القرآن)) (1/ 16)، ((ملاك التأويل)) (1/ 170)، ((تفسير القرآن العظيم)) (1/ 133)، ((إرشاد العقل السليم)) (1/ 16)، ((التحرير والتنوير)) (1/ 175)، ((محاسن التأويل)) (1/ 222)، ((المنار)) (1/ 54).
([6]) انظر (نظم الدرر)) (1/ 29).
([7]) انظر (التحرير والتنوير)) (1/ 147).
([8]) انظر (الجامع لأحكام القرآن)) (1/ 143).
([9]) ومن هذا الوجه نأخذ مشروعية القراءة بهما جميعاً في الصلاة، بحيث يقرأ بهذه مرة، وبهذه مرة، أو بإحداهما في السرية والنافلة، والأخرى في الصلاة الجهرية إذا كانت هي المعمول بها في البلد.
([10]) انظر: أبو داود 2/ 433 برقم 4000والترمذي 5/ 185 برقم 2927 وضعفه الألباني. وانظر: ((جامع البيان)) (1/ 94)، ((المحرر الوجيز)) (1/ 31)، ((مفاتيح الغيب)) (1/ 192)، ((البحر المحيط)) (1/ 31)
علم السياق القرآني [14] (أبرز المفسرين عناية بالسياق [1]
أبرز المفسرين الذين اعتنوا بالسياق، ومناهجهم في تناوله إجمالاً
اعتنى المفسرون بالسياق عناية ظاهرة، ورعوه حق رعايته، وأنزلوه منزلته العالية في التفسير من لدن الإمام ابن جرير الطبري الذي أجاد وأفاد في مجال التأصيل والتطبيق، وانتهاء بالتفاسير الحديثة، ويحسن في هذه الدراسة أن ألقي الضوء على عنايتهم بالسياق ومناهجهم في تناوله إجمالا.
أولاً: الإمام ابن جرير الطبري في تفسيره (جامع البيان في تأويل آي القرآن).
تفسير ابن جرير هو عمدة التفاسير في تناول السياق تأصيلاً وتطبيقاً، وقد اعتمد ابن جرير السياق وقدمه على غيره، وقرره بقواعد مهمة في التفسير.
قال محمود شاكر ([1]): " .. لم يغفل عن هذا الترابط الدقيق بين معاني الكتاب، سواء كان ذلك في آيات الأحكام، أو آيات القصص أو غيرها من نصوص هذا الكتاب، فهو يأخذ المعنى في أول الآية ثم يسير معه كلمة كلمة، وحرفاً حرفاً، ثم جملة جملة، غير تارك لشيء منه، أو متجاوز عن معنى يدل عليه سياقها" ([2]).