تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لو أن إنساناً رأى هلال شهر رمضان أو رأى هلال شهر شوال فجاء يشهد فلم تقبل شهادته وردّت وهو متأكد أنه قد رأى الهلال، فحينئذٍ في يقين نفسه أن رمضان قد دخل ولكن في حكم الشرع على الظاهر أن رمضان لم يدخل فهل نوجب عليه في خاصة نفسه أن يصوم هذا اليوم أو لا يصوم؟

للعلماء أقوال:

القول الأول: منهم من يقول نوجب عليه الصيام؛ لأنه قد تحقق من دخول شهر رمضان، ولذلك هو متعبد لله - عز وجل - بما تحققه، وقد أوجب الله على من رأى الهلال أن يصوم، وقد تحقق من رؤيته وأن هذه الليلة من رمضان فلا وجه لإسقاط الصوم عنه، قالوا فحينئذٍ يلزمه أن يصوم.

القول الثاني: العبرة بجماعة المسلمين؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته))، قالوا كما لو أنهم تراءوا الهلال فلم يروه مع أنه رمضان حقيقة قالوا: فقد تعبدهم الله - عز وجل - بالدخول فحينئذ لا نوجب عليه صيام هذا اليوم؛ لأنه ليس من رمضان حكماً.

والقول الثالث يفصّل فيقول: دخول رمضان أوجب عليه الصيام وفي خروجه لا يفطر احتياطاً، وهذا المذهب من أقوى المذاهب، وهو التفريق بين الدخول وبين الخروج؛ والسبب في هذا أن الدخول تقبل فيه شهادة الواحد كما ذكرنا وأنه من باب الخبر، ولذلك نقول من رأى هلال رمضان وحده كما لو كان مسافراً فرآه وحده فبالإجماع أنه يصوم مع أنه في هذه الحالة لم يثبت شهر رمضان عند الجميع، فنقول: إذا رآه في الدخول وجب عليه أن يصوم؛ لأن الدخول تقبل فيه شهادة الواحد، أما الخروج فقد قال - صلى الله عليه وسلم -: " فطركم يوم تفطرون "، فرد الأمر إلى جماعة المسلمين، ففي الخروج لا نقول له: إنه يفطر؛ وإنما يبقى مع جماعة المسلمين؛ لأن الفطر للجميع، بخلاف دخول شهر رمضان.

ولذلك نقول: إنه قد ثبت في ذمته صيام اليوم الأول من رمضان بيقين؛ لأنه قد استيقن برؤية الهلال بنفسه، وحينئذٍ نوجب عليه الصيام دخولاً ولكننا لا نوجب عليه الفطر خروجاً؛ لأن الفطر مقيد بالجماعة، فيفطر إذا ثبتت رؤيته مع رؤية غيره وحكم بها ولا يفطر إذا ردّت شهادته، أو كان شاهداً واحداً ولم تقبل شهادة الواحد – طبعاً – هناك مذهب من يقول بأنه يفطر فيفطر سراً؛ ولكن القول بالتفصيل اعتمادا على السُّنة أقوى وأظهر، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قبل شهادة ابن عمر وحده في دخول شهر رمضان فألزم الجماعة بشهادة ابن عمر، فلأن نلزم الشاهد نفسه والرائي نفسه من باب أولى وأحرى، ولكن في الخروج ردنا النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى جماعة المسلمين فقال: " فطركم يوم تفطرون " فجعل الفطر لجماعة المسلمين كلهم كما لو رأى هلال ذي الحجة، مثلاً رأى هلال ذي الحجة ليلة الخميس والناس لم يروه، ثم بعد ذلك أصبح وقوف الناس متأخراً عن وقوفه، فإننا نقول لا يصح وقوفه وحده لأن الوقوف بجماعة المسلمين، وعلى هذا فإنه يصح أن يصوم وحده ولا يصح أن يفطر وحده.

صيام المحبوس:

إذا اشتبهت الأشهر على المسلم كأن يكون محبوساً أو في بعض الأمكنة النائية عن الأمصار يعني البلدان المأهولة بالسكان، فلم يستطع معرفة شهر رمضان بالخبر، فعليه أن يتحرى ويجتهد.

فإذا غلب على ظنه دخول شهر رمضان بناءً على قرينة قامت في نفسه صامه.

ولا يخلو الأمر من أربعة أحوال:

الحال الأولى: أن لا ينكشف له الحال، فإن صومه صحيح ويجزئه لأنه أدى فرضه باجتهاد فأجزأه كما لو صلى في يوم غيم باجتهاد إلى القبلة.

الحال الثانية: أن ينكشف له أنه وافق الشهر أو ما بعده، فإنه يجزئه في قول عامة الفقهاء، لأنه أدى فرضه بالاجتهاد في محله.

الحال الثالثة: إن وافق صومه قبل الشهر فلا يجزئه في قول عامة الفقهاء، لأنه أتى بالعبادة قبل وقتها، كم صلى قبل الوقت فصلاته لا تجزئه، والوقت المعتبر قبل شهر رمضان ستة أشهر، كما كان السلف يدعون الله بعد رمضان ستة أشهر أن يتقبله منهم، ويدعونه قبل رمضان بستة أشهر أن يبلغهم إياهم، فالله أعلم أن المعتبر الستة أشهر قبل رمضان وبعده بما في ذلك شهر رمضان نفسه.

الحال الرابعة: أن يوافق صومه بعض رمضان دون بعض، فما وافق رمضان أو بعده أجزأه، وما وافق قبله لم يجزئه. [الصيام للطيار 38].

اختلاف المطالع:

الصيام أدلة وأحكام · الصفحة ١٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الصيام أدلة وأحكامص ١٤