هاأنتم أيها المسلمون قد ودعتم شهر رمضان مرتحلاً عنكم بما حملتموه من أعمال وأقوال، فهو شاهد لكم أو عليكم، فهنيئاً لمن كان هذا الشهر شاهداً له، وويل لمن كان شهر رمضان خصمه وعدوه، والعار والشنار لمن كان رمضان شاهداً عليه، ووالله إنها لخسارة لا تعدلها خسارة، أن يوفق العبد لإدراك مواسم العطاء والفضل الجزيل من المنان الكريم، ثم يخرج منها صفر اليدين، بل ومن المسلمين من خرج شهر رمضان وحمله معاص وأوزاراً، وآثاماً ثقالاً، تنوء بحملها الجبال الراسيات، حملها بظلمه وجهله، فأي مصيبة بعد مصيبة المسلم في دينه، وأي فاجعة بعد فجيعة المسلم في تفريطه وتسويفه، فمن كان مقصراً مفرطاً في رمضان، فليتدارك نفسه بالتوبة النصوح والإقبال على الله تعالى غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول، ومن كان عاصياً مذنباً مسرفاً على نفسه فليرجع إلى ربه تبارك وتعالى، وليستغفر الله على ما مضى، قبل أن يفجأه الموت فيأتيه من ربه اليقين، فباب التوبة مفتوح، ولقد أوصى الله تعالى عبادة بالتوبة من كل الذنوب صغيرها وكبيرها، ووعد على ذلك بقبولها، فقال جل من قائل عظيماً: " وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحاً ثم اهتدى "، وقال تعالى: " قل ياعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً إنه هو الغفور الرحيم " فتدبروا رحمكم الله تلك الشروط العظيمة في الآية السابقة، من تاب توبة نصوحاً بكامل شروطها، وآمن بما في الكتاب والسنة، وعمل الأعمال الصالحة وابتعد عن غيرها من الأعمال القبيحة المحرمة، ثم استقام على منهج الله تعالى، ووفق سنة نبيه صلى الله عليه وسلم، فهذا هو التائب الحق الذي عاد بعد الغياب، واستقام بعد العتاب، فتوبوا إلى الله جميعاً أيها المؤمنون لعلكم تفلحون، الكل يذنب ويقصر، والكل يخطئ ويفرط، وخير الخطائين التوابون، فأين تلك الدموع التي انهمرت من خشية الله في رمضان، وأين تلك القلوب التي وجلت خوفاً من الله، وأين تلك الأقدام التي تفطرت واقفة رغبة فيما عند الله، فمن وفق في شهر رمضان للصيام والقيام فليزدد من الأعمال الصالحة بعد رمضان، فإن رب رمضان هو رب باقي الشهور، فمن كان يعبد رمضان فإن رمضان قد انقضى وفات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، واعلموا أن الله مطلع عليكم وسيجزيكم بأعمالكم فإن كانت خيراً فهنيئاً وسعادة، وإن كانت غير ذلك فذلاً وتعاسة
وبئس القوم الذين لا يعرفون الله إلا في رمضان، ثم إذا انقضى رمضان عادوا لما كانوا عليه من لغو القول ولغط اللسان، وقبيح الفعال، ويعتقدون أن رمضان سيكفر كل ما فعلوه من الموبقات وترك الواجبات وفعل المحرمات التي اقترفوها خلال العام ولم يعلموا أن تكفير الصغائر مقروناً باجتناب الكبائر قال الله تعالى: " إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم "، وقال صلى الله عليه وسلم: " الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان كفارة لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر "، فاحذروا عباد الله أن تنقضوا العهد مع الله، واحذروا من الحرام فعلاً وسماعاً، واعلموا أن عذاب الله أشد من أن يتحمله لحماً وعظماً، فاحذروا الأغاني والمعازف، وأقلعوا عن مشاهدة الحرام عبر الشاشات المسمومة التي يدسها لكم أعداؤكم، وتوبوا إلى الله من إسبال الثياب وحلق اللحى، واحذروا عقوبة العقوق، وعليكم بأداء الحقوق، فالحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها أخذها.
المؤمن الصادق يودع هذا الشهر بكل حزن وأسى، والمنافق يودع شهر رمضان بكل فرح وسرور، فالمؤمن يودعه راجياً من ربه قبوله بما استودعه فيه من العبادة والطاعة، طالباً من الله أن يتقبله منه وأن يعيده عليه أعواماً عديدة وأزمنة مديدة، وراجياً من ربه فضله وأجره، والمنافق يودع شهر رمضان بالغبطة والفرحة لينطلق إلى المعاصي والشهوات، ولذلك فالمؤمن يتبع شهر رمضان بالاستغفار والتكبير والإكثار من ذكر الله تعالى في كل أحواله، وأما المنافق فيتبع شهر الغفران بالمعاصي واللهو واللعب وحفلات الأغاني وسماع المعازف والطبول، فرحاً بفراق شهر العتق من النيران، فشتان ما بين الفريقين، فريق في الجنة وفريق في السعير، فكونوا من أتباع سيد المرسلين، ولا تتبعوا سنن المنحلين من الفاسقين والمجرمين، الذين لا هم لهم إلا إخراج المسلمين من عقيدتهم وإبعادهم عن دينهم، قال تعالى: " ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم ".
الخاتمة: