وهذا المعرض عن هدى الله له المعيشة الضنك أي الضيقة في الدنيا ، لأن الضنك أصله الضيق والشدّة . ووجه ضيق معيشته أنه شديد الحرص على الدنيا متهالك عليها وعلى الزيادة منها خائف من انتقاصها ، لا طمأنينة له ولا انشراح لصدره ، بل صدره ضيق حرج لضلاله ، وإن تنعم ظاهره ولبس ما شاء وأكل ما شاء وسكن حيث شاء فإن قلبه مالم يعمره هدى الله لا يحس بسعادة ولا بطيب العيش(1) . وهذا في الدنيا .
أما في الآخرة فقد مضت سنّة الله في الجزاء أنه سيصيبه عقاب المعرضين عن هداه ، ومن هذا العقاب حشره يوم القيامة أعمى لعماه عن آيات الله وهداه ، قال تعالى مخبراً عن هذا الجزاء وسببه : (ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكاً ونحشره يوم القيامة أعمى . قال ربِّ لِمَ حشرتني أعمى وقد كنت بصيراً . قال كذلك أتتك آياتُنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى) ، والمعنى أن هذا المعرض عن هدى الله يحشر يوم القيامة أعمى فيقول : (ربِّ لِمَ حشرتني أعمى وقد كنت بصيراً) أي في الدنيا فيقول الله تعالى له : (كذلك أتتك آياتُنا فنسيتها) أي لما أعرضت عن آيات الله وعاملتها معاملة من لم يذكرها بعد بلاغها إليك فأنت قد عميت عنها لأن من عمي عن شيء نسيه وتركه (وكذلك اليوم تنسى) أي تترك في العمى كما كنت أعمى عن آيات الله ، جزاءً وفاقاً لأن الجزاء من جنس العمل(2) . وهذا العقاب الذي ينتظر المعرض عن هدى الله هو أشد وأبقى من عذاب الدنيا . وسيصيب أيضاً المسرفين المكذبين بآيات الله ما أصاب المعرضين عن هدى الله من العيش الضنك في الدنيا والعذاب في الآخرة لقوله تعالى : (وكذلك نجزي من أسرف ولم يؤمن بآيات ربه ولعذاب الآخرة أشد وأبقى) .
40 ـ من يعرض عن هدى الله يقيّض له شيطاناً :
(1) ـ تفسير ابن كثير ، ج3 ، ص 168 ، تفسير الآلوسي ، ج16 ، ص 277 .
(2) ـ تفسير ابن كثير ، ج3 ، ص 169 ، تفسير الآلوسي ، ج16 ، ص 278 .