وهي مطردة لا تتخلف ، ويدل على اطرادها أن الله تعالى قصّ علينا قصص الأمم السابقة وما حلّ بها لنتعظ ونعتبر ولا نفعل فعلهم لئلا يصيبنا ما أصابهم ، ولولا اطرادها لما أمكن الاتعاظ والاعتبار بها . فمن هذه الآيات قوله تعالى : ( فاعبروا يا أولي الأبصار) بعد أن قصّ الله تعالى علينا ما حلّ ببني النضير لسوء أعمالهم ، قال الآلوسي في هذه الآية : أي فاتعظوا بما جرى عليهم ـ أي على اليهود من بني النضير ـ من الأمور الهائلة على وجه لا تكاد تهتدي إليه الأفكار ، واتقوا مباشرة ما أداهم إليه من الكفر والمعاصي ، واعتبروا من حالهم في غدرهم واعتمادهم على غير الله تعالى ـ الصائرة سبباً لتخريب بيوتهم بأيديهم وأيدي أعدائهم ومفارقة أوطانهم كارهين ـ إلى حال أنفسكم فلا تعولوا على تعاضد الأسباب وتعتمدوا على غيره عزّ وجلّ بل توكلوا عليه(1) . وكذلك قوله تعالى : (قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذَّبِينَ ﴿137﴾ هَذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ)(2) .
وهي ، أي سنة الله ، تتصف بالعموم أي أنها عامة يسري حكمها على الجميع دون محاباة ولا تمييز ، قال تعالى : (أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِّنْ أُوْلَئِكُمْ أَمْ لَكُم بَرَاءةٌ فِي الزُّبُرِ) ، (وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ)(3) . أي ليس كفاركم خيراً من كفار من تقدم من الأمم الذين أهلكوا بكفرهم(4) .
(1) ـ تفسير الآلوسي ـ روح المعاني ـ ج28 ، ص 41 .
(2) ـ سورة آل عمران ، الآيتان 137 ، 138 .
(3) ـ سورة القمر ، الآيتان 43 ، 51 .
(4) ـ تفسير القرطبي ، ج15 ، ص 145 .