ومما يقرب إلى الأذهان فهم ما قلته أنَّ من سنن الله في خلقه إصابتهم بالأمراض بناء على سنة الله في الأسباب والمسببات أو بناء على سنته في الابتلاء ، ولكن هذا لا يعني تحريم الوقاية من الامراض ولا رفعها بالدواء إذا وقعت وأصيب بها المسلم ، فكل هذا ـ أي الوقاية من الامراض وعلاجها بالدواء ـ مأذون به شرعاً ، وإنما تعني سنّة الله في ابتلاء الناس بالأمراض وجوب مقابلتها بالصبر الجميل والتأمل في أسبابها وهل وقعت على المصابين بها على وجه العقوبة لهم على معاصيهم فيقلعوا عنها أو أنها جاءت بسبب تقصيرهم في وسائل الحمية المشروعة فيأخذوا بالعلاج ولا يعودوا إلى تقصيرهم في الحمية من الأمراض .. ومثال آخر يقرب إلى الأذهان فهم ما قلته أن الاستشهاد في سبيل الله مما جرت به سنّة الله في ابتلاء المؤمنين بقتال الكفار ، ولكن لا تعني هذه السنة تسليم المسلم نفسه إلى الكفار ليقتلوه حتى يصير شهيداً ، وإنما تعني هذه السنة فقط النهوض إلى قتالهم وعدم القعود عن قتالهم ، وأن عليه أن يقاتلهم بأساليب القتال المشروعة مع الحذر المطلوب لئلا يقع بأيدي الكفار أسيراً أو قتيلاً ، وإن تعمد أن يأسره الكفار أو تعمد أن يقتلوه مع قدرته على أن يقاتلهم دون أن يسلم نفسه إليهم ليقتلوه فإنه يأثم في الحالتين لإعانتهم على أسره أو قتله . ولكن إذا قاتل كما ينبغي أن يكون عليه القتال ثم جرح فإنه يصبر وإذا قتل مات شهيداً .
112 ـ لا تمنوا لقاء العدو :
وقد دلّ على ما قلته الحديث النبوي الشريف الذي رواه الإمام البخاري في صحيحه عن عبد الله بن أبي أوفى أن النبي صلى الله عليه وسلم قام في الناس فقال : (لا تمنوا لقاء العدو وسلوا الله العافية ، فإذا لقيتموهم فاصبروا)(1) .
(1) ـ صحيح البخاري بشرح العسقلاني ج6 ، ص 156 .