ونهى صلى الله عليه وسلم عن الأكل من وسط الإناء فعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " البركة تنزل وسط الطعام فكلوا من حافته، ولا تأكلوا من وسطه " [أخرجه الترمذي وقال: حسن صحيح]. أليس هذا تشريعا بأحد الحكام الخمسة؟
ورغب صلى الله عليه وسلم في المواساة بالطعام والمشاركة فيه والاجتماع عليه فقال: (طعام الواحد يكفي الاثنين، وطعام الاثنين يكفي الأربعة، وطعام الأربعة يكفي الثمانية) [أخرجه مسلم]، أليس هذا تشريعا بأحد الحكام الخمسة؟
وحفاظا منه صلى الله عليه وسلم على أحاسيس الآخرين نجده صلى الله عليه وسلم: ما عاب طعاما قط، كان إذا اشتهى شيئا أكله وإن كرهه تركه، أليس هذا تشريعا بأحد الحكام الخمسة؟ وقد اعتزل النبي صلى الله عليه وسلم نساءه شهرا – في المسجد – لا يدخل عليهن بيوتهن – [أخرجه البخاري] أليس هذا تشريعا بأحد الأحكام الخمسة؟
ولم يضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده امرأة له ولا خادما قط [أخرجه أحمد]، أليس هذا تشريعا بأحد الحكام الخمسة؟
وكان صلى الله عليه وسلم يتوضأ بحفنة من الماء وغيره يتوضأ بعشر حفنات [أخرجه البخاري] أليس هذا تشريعا بأحد الأحكام الخمسة؟
وكان صلى الله عليه وسلم يصلي في الليل إحدى عشرة ركعة أو ثلاث عشرة ركعة [أخرجه البخاري]، أليس هذا تشريعا بأحد الأحكام الخمسة؟
وكان صلى الله عليه وسلم يصوم في السفر وبعض أصحابه يفطر، وكان يفطر وبعض أصحابه يصوم، كما أخرجه البخاري، أليس هذا تشريعا بأحد الأحكام الخمسة؟
وأمر الرسول صلى الله عليه وسلم بالتلحي في العمة – أي بتطويقها تحت الحنك – كما ذكره ابن قتيبة، أليس هذا تشريعا بأحد الأحكام الخمسة؟
وقد يحزن صلى الله عليه وسلم فيأتي في حزنه بما لا يعتبر واجبا ولكنه يعتبر تشريعا بالإباحة كالبكاء ودمع العينين.
وقد يضحك فيأتي في ضحكه بما يعتبر تشريعا بالتبسم صلى الله عليه وسلم، أليس هذا تشريعا بأحد الأحكام الخمسة؟
وقد يعبس صلى الله عليه وسلم أليس هذا تشريعا بأحد الأحكام الخمسة؟
وقد يغضب صلى الله عليه وسلم فيأتي في غضبه بما يعتبر تشريعا بأحد الأحكام الخمسة؟
وقد ينسى صلى الله عليه وسلم فيأتي بعد نسيانه بما يعتبر تشريعا بأحد الأحكام الخمسة؟
وإن ما يجري في الأكل والشرب يجري مثله في الأفعال الجبلية أو العادية الأخرى له صلى الله عليه وسلم كاللباس فلبسه صلى الله عليه وسلم للإزار، والرداء، والجبة الشامية، والقميص، والبرنس، والسراويل والعمامة، وتقنع، وعصب رأسه بخرقة فوق العمامة، ولبس على رأسه المغفر، والعمامة السوداء، والبردة النجرانية، والحبرة، والبردة اليمانية والشملة إلخ ... أفلا يعتبر ذلك تشريعا بأحد الأحكام الخمسة؟
وكان الصحابة رضي الله عنهم يؤمنون بذلك - أي بأن أفعاله تشريع -: لبس نعله صلى الله عليه وسلم في الصلاة فلبسوا نعالهم، فلما خلع نعله – لسبب لا يعلمونه – خلعوا نعالهم.
ولما رأوه صلى الله عليه وسلم يمتنع عن أكل الثوم امتنعوا حتى أباح لهم.
ولما رأوه صلى الله عليه وسلم يمتنع عن أكل الضب – لسبب لا يعلمونه أيضا – أوشكوا أن يمتنعوا حتى أباح لهم.
وكانوا في الأفعال الجبلية يقضون حاجاتهم جماعات يرى بعضهم بعضا ويكلم بعضهم بعضا، فعلمهم التواري والتستر وعدم الكلام، وكان بعضهم يبول قائما فعلمهم الجلوس. [أخرجه النسائي وابن ماجة].
وإذا كان بعض الصحابة لم يصبغوا شيبتهم – مع أن الرسول صلى الله عليه وسلم دعا إلى ذلك – مخالفة لليهود والنصارى – فليس معنى هذا أن سنته صلى الله عليه وسلم في ذلك ليست تشريعا بالمعنى العام، ولكن معناه أنه ليس تشريعا بالوجوب، ويظل بعد ذلك داخلا في التشريع بالندب أو التشريع بالإباحة
أليس إذا اختلف أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم في فعل من الأفعال أنه محظور أو مباح ثم نقل الناقل في موضوع اختلافهم فعلا للنبي صلى الله عليه وسلم، ألا يدل ذلك على حسم الخلاف؟