تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الصنف الثاني: وهو من يذهب إلى الطرف الآخر من القضية في أقصاه، فيلتزم بالسنة التي هي أقوال النبي صلى الله عليه وسلم وأفعاله وتقريراته، ولكنه لا يفرق فيها بين الأحكام الشرعية الخمسة التي قدمناها فيخلط بين الفرض والمندوب، فيراه فرضا كله والمكروه والمحرم فيراه محرما كله، ويدخل المباح تارة هنا وتارة هناك.

فهؤلاء - مثلا – يستمعون إلى سنة الرسول صلى الله عليه وسلم في لعق الأصابع عند الأكل فيأخذون بذلك في جميع الأحوال كأنه فرض، ويستمعون إلى سنته صلى الله عليه وسلم في التوضؤ بحفنة من الماء فيأخذون بذلك في جميع الأحوال كأنه فرض كذلك.

لابد من النظر في ضوء أصول الفقه في تحديد معنى الأمر ومعنى النهي ومعنى الوجوب ومعنى الإباحة إلخ.

وفي ضوء أسباب الواقعة، التي تفسر معناها ولا تحبسه، يقول أستاذنا الدكتور موسى شاهين لاشين في بحثه القيم الذي اعتمدنا عليه في هذه المقال:

نعم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتوضأ بالمد أي بحفنة من الماء، وكان يغتسل بأربع حفنات فهذا تشريع ولكنه ليس للوجوب بالذات، وإنما هو يدور بين الوجوب والندب والإباحة بحسب الظروف، والملابسات. ولو عاش صلى الله عليه وسلم على ضفاف نهر مثلا لتوضأ بأكثر من حفنة ماء، ولاغتسل بأكثر من أربع حفنات.

وكان صلى الله عليه وسلم يعد سلاحه لملاقاة الأعداء بالسيف والرمح والنبل، فهذا تشريع ولكنه ليس للوجوب بالذات، ولكنه يدور بين أحكام الشريعة الخمس، بحسب الملابسات، ولو عاش في زماننا لما قصر صلى الله عليه وسلم عن الإعداد بأقصى مظاهر القوة العسكرية الحديثة.

إن بعض مشكلات الإسلام اليوم هي في بعض أهله ممن يفرطون، أو يفرطون، فليس من الإسلام في شيء ما نسمع عنه اليوم من أن بعض الدعاة يذهب إلى أوربا أو أمريكا ليدعو إلى الإسلام فيأكل على الأرض، وبالأصابع، فالحق أن هذا تنفير من الإسلام وليس دعوة إليه ولا فهما له.

إن مشكلة الإسلام مع هؤلاء في أنهم يدخلون جميع أفعاله صلى الله عليه وسلم في باب الوجوب أو الإلزام، بينما هي قد تكون من التشريع بالندب، أو من التشريع بالإباحة، أو غير ذلك من أحكام التشريع.

والصنفان السابقان: من يرفضون السنة جملة وتفصيلا، ومن ياخذون بها دون تفرقة بين الأحكام الشرعية الخمسة - أمرهما هين في كشف خطرهما أو انحرافهما، فالأول الذي ينكر السنة في باب التشريع إجمالا، كافر غير مسلم، والثاني الذي لا يميز فيها بين الفرض والمندوب والمحرم والمكروه والمباح أمره خطير ولكنه أقل خطرا من أولئكم. فهم مسلمون متشددون فيما لا موضع للتشديد فيه، ويمكن كشف خطرهما بشيء من الفقه والتعليم.

وهناك صنف ثالث: برز في العقود الأخيرة يزعم أن منها ما هو للتشريع فيؤخذ به، ومنها ما هو لغير التشريع فلا يؤخذ به، وهذه مقولة بالغة الخطر، وخطرها من نعومتها وشدة التلبيس فيها.

يقول الأستاذ الدكتور موسى شاهين لاشين ردا على هؤلاء مبينا أن السنة كلها تشريع: " ولم يخالف في ذلك أحد من علماء المسلمين طوال أربعة عشر قرنا، حتى كان النصف الثاني للقرن الرابع عشر للهجرة، فكان أول من قسم السنة إلى تشريع وغير تشريع فضيلة الشيخ محمود شلتوت في كتابه " الإسلام عقيدة وشريعة ".

يذهب الشيخ شلتوت: إلى أن ما ورد من أقواله صلى الله عليه وسلم وأفعاله وتقريراته قد يأتي بعضه: على ما سبيله سبيل الحاجة البشرية كالأكل والشرب والمشي والتزاور والمصالحة بين شخصين. وما سبيله التجارب والعادة الشخصية، أو الاجتماعية كالذي ورد في شئون الزراعة والطب وطول اللباس أو قصره. وما سبيله التدبير الإنساني في ظروف خاصة كتوزيع الجيوش على المواقع الحربية. وكل هذه الأنواع ليس شرعا يتعلق به طلب الفعل أو تركه، وإنما هو من الشئون البشرية التي ليس مسلك الرسول فيها صلى الله عليه وسلم " تشريعا ولا مصدر تشريع ".

السنة كلها تشريع · الصفحة ٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

السنة كلها تشريعص ٢