الصلح في الجنايات واقع وتصويبات
التمهيد في تعريف الصلح والجناية ومشروعية الصلح فيها:
أولاً: تعريف الصلح:
الصلح لغة: اسم مصدر لصالحه, مصالحة وصلاحاً وهو ضد الفساد.
والصلح من المصالحة وهي المسالمة. وهو استقامة الحال إلى ما يدعو إليه العقل والشرع والتئام شعب القوم المتصدع (1).
وشرعاً: انتقال عن حق أو دعوى بعوض لرفع نزاع أو خوف وقوعه (2).
ثانياً: تعريف الجناية:
الجناية لغة: اسم لما يكتسب من الشرِّ, وهي الذنب والجرم وما يفعله الإنسان مما يوجب عليه العقاب أو القصاص في الدنيا والآخرة مأخوذة من جني الثمر وهو أخذه من شجره (3).
وشرعاً: كل فعل محظور يتضمن ضرراً على النفس أو غيرها (4).
قال ابن قدامه ـ رحمه الله ـ: الجناية كل فعل عدوان على نفس أو مال, لكنها في العرف مخصوصة بما يحصل فيه التعدي على الأبدان (5).
ثالثاً: مشروعية الصلح في الجنايات:
ممالا شك فيه أن الصلح من مظاهر يُسر الشريعة الإسلامية الغراء وهو مقصد من مقاصدها. وأي حاجة تدعو إلى البحث عن محاسن كتاب اسمه الصلح فهو على اسمه حقاً. وقد تظافرت الأدلة على مشروعيته من الكتاب والسنة والإجماع والمعقول وهذه الأدلة منها ما هو دال على مشروعية الصلح عموماً وهذا كثير جداً. ومنها ما هو خاص بمشروعية الصلح في الجنايات وهو ما سأذكر له دليلاً واحداً من كل مصدر طلباً للاختصار:
فمن الكتاب: قوله تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان ذلك تخفيف من ربكم ورحمة فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم﴾ (6).
فالعفو في الآية أن يقبل الدية في العمد. وعلى الطالب اتباع بالمعروف إذا قبل الدية وقوله تعالى: ﴿وأداء إليه بإحسان﴾ أي من القاتل من غير ضرر (7).
ومن السنة: ما جاء في حديث عائشة ـ رضي الله عنها ـ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أباجهم بن حذيفة مُصَدِّقاً (8) فلاجّه رجل في صدقته فضربه أبو جهم فشجه فأتوا رسول صلى الله عليه وسلم
(1) لسان العرب 2/ 516, والقاموس المحيط 293, والتعريفات 139.
(2) شرح حدود ابن عرفة 2/ 421.
(3) لسان العرب 14/ 154.
(4) التعريفات 83.
(5) المغني مع الشرح 9/ 319.
(6) سورة البقرة, آية: 178.
(7) تفسير القرآن العظيم 1/ 216.
(8) المصدق: الذي يجمع الزكاة (طرح التثريب 7/ 187).