متمثّلة في هذا السؤال ... من أين يبدأ الحاكم الإسلامي تطبيق الشريعة الإسلامية؟ , وهل يبدأ بهذا التطبيق كله دفعة واحدة وفي يوم واحد، أم يتدرج في الإصلاح والبناء؟، وإذا كان مذهبه التدرّج فما هم الأهم من ذلك ليقدمه على المهم؟
وهنا يأتي دور الأولويات في تطبيق الشريعة، وهذه الأولويات سيختلف النظر فيها كثيراً، إذ بينما يرى أناس أن النظام الاقتصادي يأتي في المقدمة سيرى آخرون أن تطهير المجتمع أولى من ذلك، وسيدافع آخرون عن رأيهم بأن السياسة الخارجية هي أهم المهمّات، وسينادي آخرون بتطبيق قانون العقوبات أولاً وقبل كل شيء، ولا شك أن مجلساً للشورى يجتمع فيه أولوا العلم والفضل من المسلمين سيقرر بعد نظر ونقاش الخطة التي يراها أمثل لتطبيق الشريعة الإسلامية تطبيقاً كاملاً، وهذا هو المجال الثاني من مجالات الشورى ... إنه بحث الأولويات في تطبيق شريعة الإسلام وذلك حسب ملابسات الوقت، وأحوال الناس واستعداداتهم، والقوة المهيأة للحكومة إسلامية التي تريد تطبيق الإسلام وسط هذا الطوفان الهائل من أفكار الجاهلية ومعتقداتها، ووسط طوفان آخر من الفسق والرذائل عمّ وجه الأرض كلها بالفساد والانحلال، ولن تكون هذه مهمة يسيرة أبداً بل أنها مهمّة شاقة للغاية؛ لأنها تقتضي علماً واسعاً، وحكمة عظيمة، ولا يفهم هذا إلا من عرف منهج التشريع الرباني وتدرّجه حسب استعداد النفوس وقبولها، وعرف منهج الإسلام في تربية الجماعة المسلمة والأمّة المسلمة، وأما من أوتوا نصيباً قليلاً من العلم فإنهم يظنّون أن حاكماً مسلماً يستطيع أن يطبّق الشريعة الإسلامية في الأمّة بين عشيّة وضحاها، وهذا سذاجة وجهل، وإذا كان الأمر بهذه الأهميّة والخطورة فلا يمكن أن يكون للرأي الواحد الوصول إلى الحق في هذا الأمر الخطير، ولذلك كانت الشورى في هذا الصدد من أهم الأمور.
ثالثاً: اختيار الإمام أو الخليفة
إن المبدأ الأساسي في الظروف الطبيعية الآمنة لاختيار الحاكم هو الشورى، وليس هناك طريق غير ذلك، ويجب على الحاكم ألا يتجاوز هذا المبدأ إذا تقلّد هذا المنصب عن طريق الغلبة وفرض السلطان، فالتسلط وفرض السلطان بالقوّة مرفوض شرعاً.