... ويؤكد بروكلمان أنَّ الهجاء قبل أنْ يتحول إلى شعر السخرية والاستهزاء » كان في يد الشاعر سحراً يقصد به تعطيل قوى الخصم بتأثير شعري. ومن ثم كان الشاعر إذا تهيأ لإطلاق مثل ذلك اللعن، يلبس زياً خاصاً شبيهاً بزي الكاهن «(1) .
... ويؤكد هذا ما يذكره الشريف المرتضى في أنَّ الشاعر إذا أراد الهجاء » دهن أحد شقي رأسه وأرخى إزاره وانتعل نعلاً واحدة « (2) ويعلق أحد الباحثين بأن » حلق الرأس كان من سننهم في الحج، وكأن شاعر الهجاء يتخذ نفس الشعائر التي يصنعها في حجه، وأثناء دعائه لربه أو لأربابه، حتى تصيب لعنات هجائه بكل ما يمكن من ألوان الأذى وضروب النحس المستمر » (3) ، وهذه الطقوس تدل على أنَّ فعل الهجاء لا بد أن ترافقه حركات وأفعال تؤدي إلى تأثير الفعل . إنَّ الهجاء في هذه الحالة يشبه تماماً الرقية التي يصنعها الساحر، ولابد للساحر من أداء طقوس ترافق الرقية، وبذا يتداخل الأداء الصوتي والحركة الجسمية، تماماً كما لو كان الشاعر الجاهلي يدهن أحد شقي رأسه ويرخي إزاره وينتعل نعلاً واحدة، فالساحر من أجل ان تحدث الرقية مفعولها» يقلد سلفاً الاحتضار من المرض الذي ابتلي به الشخص المعني، فيتمرغ على الأرض، ويصيح متشنجا بشدة، وبذلك وحده، وعقب تقليد دقيق لنتائجه تستطيع الرقية أنْ تفعل فعلها « (4) .
(1) ـ كارل بروكلمان، تاريخ الأدب العربي، 1/46 .
(2) ـ الشريف المرتضى، امالي المرتضى، 1/191 .
(3) ـ شوقي ضيف، العصر الجاهلي، ص 197 .
(4) ـ ارنست فيشر، ضرورة الفن، ص 40 .