تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

... ان الإنسان في مراحل تطور المجتمع الأولى كان جزءاً من كيان جماعي، وليس بقادر على الخروج عن الجماعة، أو التعبير عما يضادها، لأن الخروج عليها وعلى روابطها يعني نفياً للإنسان عن الجماعة، ومن ثم فناء لوجوده وكيانه، ولابد له أخيراً من التكيف مع الجماعة، والتحرك في ضوء أساطيرها وعقائدها وأفكارها فلقد » كان الساحر في المجتمع القبلي البدائي، ممثلا للجماعة وخادما لها بكل ما في الكلمة من معنى وكانت قدرته السحرية تدفعه إلى مجازفة التعرض للموت، إذا لم يستجب مراراً عديدة لتحقيق ما تتوق إليه الجماعة « (1)وقد نشأت الفنون في هذه المرحلة تعبيراً عن حاجات الجماعة، وتلبية لرغباتها وأساطيرها وعقائدها، وكان التعبير الفني يؤدى جماعياً، ولم تعرف الفنون الاستقلال الذي تميز بالعصور اللاحقة، فالمسرحية الإغريقية مثلا نشأت أول أمرها نشأة غنائية جماعية، وتقترن بأبعاد دينية، فهي من ناحية تعبر عن الروح الجماعية التي يؤديها أفرادها جميعا، وتعبر من ناحية أخرى عن طقوس دينية فلقد اقترنت بعيدين دينيين يمجدان اله الخمر والكروم » ديونيزوس« ، وهي طقوس عبادية أسطورية تعنى بحياة ديونيزوس وموته، وقد تمثل موته في جفاف الكرم وذبوله، وتمثلت حياته في عودته إلى النماء من جديد، وكانت الاحتفالات يرافقها ضجيج وفوضى، وتتسم بوحشية وتحلل أخلاق، وكانت تؤدى بوصفها طقوساً جماعية وقد تحولت بمرور الزمن إلى جماعات تؤدي أفعالا يقوم بقيادتها بعض الأفراد وانَّ

(1) ـ نفسه، ص 50 .

الشعر الجاهلي · الصفحة ٥٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الشعر الجاهليص ٥٨