... ونلتقي بتصورات متفاوتة في تحديد دور الأدب وطبيعته، فناقد العصر الفيكتوري ماثيو آرنولد تنبأ » بأن الشعر سيسود كل الأنواع الأدبية، وكذا اهتمامات الفكر الإنساني بعامة، وسوف يكون البديل الحقيقي عن » الدين « و » العلم « معا، وبأنه سوف يعبر عن »الحقيقة «كاملة، ويقدمها للإنسانية التي طال ترددها بين هذين القطبين « (1) غير أنَّ هذه النبوءة لم تتحقق، إذ لا يزال الشعر يحتل موقعاً يتجاور فيه مع الدين والعلم، وليس بقادر على أنْ يحل محلهما، فضلاً عن أنْ يكون بديلاً عنهما، بل قد يتأخر عنهما خطوات بسبب دوافع علمية وروحية .
... أما الرسام » موندريان « فقد تنبأ بسبب التطور الكائن في أنساق المجتمع الحديث بأنَّ » الفن سيختفي بمقدار ما تحقق الحياة مزيداً من التوازن « (2)، فانعدام التوازن بين المتلقي والواقع هو السبب الأثير الذي يجعل الأدب ضرورياً، وبمجرد أنْ يتطور المجتمع ويصل إلى درجة يتوازن فيه الإنسان مع العالم الذي يعيش فيه تختفي الفنون، غير أنَّ ناقداً نمساوياً آرنست فيشر يرى أنه » من غير المستطاع الأمل بأنْ يسود توازن دائم بين الإنسان والعالم الذي يحيط به حتى في المجتمع الأكثر تطوراً، فإن هذه الفكرة توحي أيضاً بأنَّ الفن لم يكن ضرورياً في الماضي وحسب، بل سيبقى كذلك في المستقبل أيضاً وعلى الدوام « (3) .
(1) ـ علي عباس علوان، تطور الشعر العربي الحديث في العراق، ص6.
(2) ـ ارنست فيشر، ضرورة الفن، ص 7 .
(3) ـ نفسه، ص 7 ـ 8 .