نلتقي بأصوات متعاقبة منتظمة بكيفية معينة، وتنطوي في الوقت نفسه على دلالات اتفق الناس عليها، وهذه الأصوات تتألف في زمان، وتدركها الأذن، أو على وجه أدق يتم إدراكها عبر حاسة الأذن، ومن هنا يصح القول » إنَّ اللغة حقاً أداة زمانية لأنها لا تعدو أنْ تكون مجموعة من الأصوات المقطعة إلى مقاطع تمثل تتابعاً زمنياً لحركات وسكنات في نظام اصطلح الناس على أن يجعلوا له دلالات بذاتها . وبهذا المعنى تكون اللغة الدالة تشكيلاً معيناً لمجموعة من المقاطع أو الحركات أو السكنات خلال الزمن أو هي في الحقيقة تشكيل للزمن نفسه تشكيلاً يجعل له دلالة معينة، تماماً، كما أنً الرسم تشكيل للألوان في المكان له دلالة « (1) .
... وعلى الرغم من أنَّ هذه الأصوات والمقاطع التي تابعناها في بيتي المتنبي إنما يتم تأليفها في زمان معين فإنها في الوقت ذاته تنطوي على خصائص مكانية، يتم تمثلها عبر التخيل، فالمخيلة تتخيل من خلال تتابع هذه المقاطع الصورة التي رسمها المتنبي لسيف الدولة، ومن هنا يتداخل بعدا الزمان والمكان في اللغة، فاللغة من هذه الناحية
» تشكيل صوتي له دلالة مكانية، والشاعر حينما يستخدم اللغة أداة للتعبير إنما يقوم بعملية تشكيل مزدوجة في وقت واحد، إنه يشكل من الزمان والمكان معاً بنية ذات دلالة فإذا كانت الموسيقى تتمثل في التأليف بين الأصوات في « الزمان » والتصوير يتمثل في التأليف في« المكان » فإنَّ الشاعر يجمع الخاصتين مندمجتين غير منفصلتين، فهو يشكل المكان في تشكيله الزمان، أو انْ شئت العكس، فهذه هي طبيعة اللغة التي يستخدمها أداة للتعبير « (2) .
(1) ـ عز الدين اسماعيل، التفسير النفسي للأدب، ص 55 .
(2) ـ نفسه، ص 56 .