... أرّقت الإنسان قديماً وحديثاً مواجهته لنهاية الحياة، وكان الاعتقاد أنَّ الموت حتمية لا مفر منها، إذ هو يقضي على المخلوقات جميعاً، وحاول الإنسان منذ القدم أنْ يقدم تفسيرات للموت من ناحية وللعالم الذي يأتي بعده من ناحية أخرى، وقد اختلطت تلك التفسيرات بأساطير عديدة، ولا ينفصل تفسير مفهوم الموت عن الطقوس والمراسيم والندب والبكاء والرثاء، لأنَّ هناك علاقة بينها جميعاً، وأول فعل يفعله الإنسان هو محاولته التخلص من جثة المتوفى، دفناً، أو حرقاً، أو إغراقاً، بحسب العقائد التي يؤمن بها وترافق ذلك طقوس وأقوال .
... ولقد عني الإنسان القديم النياندرتال بدفن الموتى، حيث وجد في بعض الحفريات أنَّ الميت دفن مطويا بطريقة معينة، واختلف في تفسير ذلك إذ » ذهب بعضهم إلى أنَّ طوي الجثة كان رغبة في منع عودة الميت لئلا يقلق الأحياء، ويسبب الضرر لهم في حين ذهب آخرون إلى أنه كان يمثل محاكاة لوضع الجنين تفاؤلاً ورمزاً إلى أن القبر سيشهد ولادة أخرى للإنسان « (1) .
... وكانت غاية الدفن تكريم الإنسان، وكلما كان دفن الميت لائقاً فإنَّ روحه تستقر في العالم السفلي، غير أنَّ » أرواح الذين لم تدفن أجسادهم، أو الذين لم يقرب لأرواحهم وفق الشعائر المقررة، تكون قلقة غير مستقرة في ذلك العالم، وتعود بطريقة ما إلى عالم الأحياء لإحداث الأذى بسكانه حيث ... تصبح شبحاً أو روحاً خبيثاً « (2) ولعل هذا يقرب من تصور العرب لهامة القتيل التي تظل تصيح اسقوني اسقوني، لا تكف عن الصياح، ولا يستقر جسد القتيل حتى يأخذ له أهله بثأره .
(1) ـ نائل حنون، عقائد مابعد الموت في حضارة بلاد وادي الرافدين القديمة، ص 29 .
(2) ـ نفسه، ص 112 .