... لقد كان الصعلوك يكثر من الحديث عن الموت أو الخوف منه، ولكنه لا يبالي فيما يقع فيه، ما دام مقتنعاً بالهدف الذي يسعى إليه، كسباً للقوت والطعام، أو تحقيقاً للذات في امتلاك حريتها ووجودها، ومن ثم تكون التضحية أمراً عادياً، فقد يموت الإنسان وهو يكافح، وقد يموت وهو قاعد خلف أدبار البيوت، وكلاهما موت، غير أنَّ هناك فرقاً جوهرياً كبيراً بينهما . إنَّ الصعلوك ـ هنا ـ يختار الموت، فإرادته هي التي اختارت الخروج على القبيلة، وإرادته هي التي حددت له الميتة التي يريد، ومن ثم فإنه يرفض أساليب القبيلة، لأنها أساليب قمعية خارجية ثابتة لا تعرف التغاير، ويستبدل ذلك بأسلوبه هو الخاص الذاتي الداخلي . إنه بهذا يؤكد ذاته، إنَّ اختيار الخروج على القبيلة، واختيار الموت، تمرد على » مس كيانه « كما يقول البير كامو لأن المتمرد
» يناضل من أجل سلامة جزء من كينونته « (1)
... إن تمرد الصعاليك على القبيلة كان تمرداً على نظامها وقوانينها وعاداتها وقيمها، واستبدل الصعلوك ذلك بمجتمع جديد له قيمه وقوانينه، ولقد تغيرت فيه أمور كثيرة، إذ يهدف الصعلوك إلى هدم البناء الطبقي في القبيلة، وأشاد بدلا منه نظام طبقة واحدة يتساوى فيها الناس، ولا يمكن أنْ يتحقق ذلك الا بالتحرر من ربقة النظام القبلي باستخدام القوة وسيلة لتحقيق الأهداف، ولذلك فإنَّ كل ما يملكه الصعلوك : ذكاء، وسيف، وأنفة، وإنَّ هذه المقومات الثلاثة تبعد عنك مظالم المجتمع القبلي كما يقول عمرو بن براق الهمداني :
مَتَى تَجمَعِ القَلبَ الذَّكيَّ وَصَارِماً
وأَنفاً أَبياً تَجْتَنبكَ المَظَالِمُ (2)
(1) ـ ... نفسه، ص 23 .
(2) ـ الصارم : السيف القاطع، الأبي : المترفع عن الدنايا، الحمى : الذي لا يحتمل الضيم .