تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

... ولا ينفك التعبير عن البطولة الجماعية عن حدث ما، قد يكون صراعاً قبلياً أو حادث قتل أو نحوهما، وهذا ما نراه عند الفند الزماني في أبياته الشعرية التي أشرنا إليها ولعل الصورة تكون أكثر وضوحا مع شاعر آخر التحم مع قبيلته، قادها، ودافع عنها وعبر عن ملاحمها وبطولاتها في معلقته، ذلك هو عمرو بن كلثوم، إذ يحكى أنَّ عمرو بن هند سأل ندمانه ذات يوم عن أم عربية تأنف من خدمة أمه، فقيل له إنها أم عمرو بن كلثوم، فأرسل إليه والى أمه، ونصب لذلك سرادقا للرجال وقبة دخلت فيها ليلى أم عمرو بن كلثوم على أم عمرو ابن هند، وكان عمرو بن هند طلب من أمه أن تستخدم أم عمرو بن كلثوم، وحين أمر بإحضار المائدة قالت أم عمرو بن هند » ناوليني يا ليلى ذلك الطبق، فقالت ليلى : لتقم صاحبة الحاجة إلى حاجتها، فأعادت عليها وألحت فصاحت واذلاه يا لتغلب، فسمعها عمرو بن كلثوم « فأخذ سيفاً فقتل فيه عمرو بن هند وفي ذلك قال معلقته (1) .

... وينطلق عمرو بن كلثوم من هذا الحدث التاريخي لتمجيد الجماعة متمثلة في قبيلته، وتمجيد مآثرها وشخصياتها وزعمائها، ولذلك فإنَّ الشاعر لا يتحدث عن حدث فردي بوصفه حدثاً خاصاً، وإنما يتحدث عن حدث جماعي أدته الجماعة، شأنه شأن الطقوس الدينية التي تؤدى بشكل جماعي، ولذلك فإنَّ قصيدته تمثل نشيداً جماعياً للقبيلة وليس نزعة ذاتية يعبر فيها الشاعر عن انفعالاته الخاصة، وما دامت كذلك فإن القصيدة تميل إلى التعبير عن العام لا الخاص، ولعل من أبرز ملامح التعبير عن العام استخدام ضمائر الجماعة في القصيدة، مما دفع أبناء القبيلة إلى تردادها، بحيث ألهتهم عن مكارم أخرى فقال فيهم أحد الشعراء :

أَلهَى بَني تَغلبٍ عن كُلِّ مكرمةٍ

قصيدةٌ قَالها عَمْرو بنُ كلثومِ (2)

(1) ـ ... ينظر، أبو الفرج الأصفهاني، الأغاني، 9 /175 ـ 176 .

(2) ـ نفسه، 9 /176 .

الشعر الجاهلي · الصفحة ١٣٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الشعر الجاهليص ١٣٧