تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

... ويعمد عنترة بن شداد إلى تعويض معضلة الشعور بالنقص باللون بطريقتين : إحداهما: تعويض ذلك بالخصال الحميدة، يقول :

لئِن أكُ أسوداً فالمسكُ لوني

و ما لِسوادِ جِلدي منْ دواءِ

ولكن تَبعُدُ الفحشاءُ عني

كبُعْدِ الأرضِ عن جَوِّ السماءِ(1)

ويقول :

تُعّيرني العِدَا بِسَوادِ جِلْدي

وَبِيضُ خَصائِلي تَمحُو السَّوادا

سَلِي يَا عَبلُ قَومَكَ عن فِعالي

ومَنْ حَضَرَ الوَقِيعَةَ والطِّرادا(2)

ويقول :

سَوَادي بَيَاضٌ حِينَ تَبدو شَمائِلي

وَفِعلي على الإنسان يَزْهو ويَفخَرُ(3)

ويقول :

يَعيبُونَ لَوني بالسوَادِ جَهَالةً

وَلَولا سَوادُ الليلِ مَا طَلَعَ الفَجْرُ

وإنْ كانَ لَوني أسوداً فخصائلي

بياضٌ ومن كَفيَّ يُسْتنزلُ القَطْرُ

مَحوتُ بذكري في الوَرى ذِكرَ مَنْ مَضَى

وسُدْتُ فلا زيدٌ يُقالُ ولا عَمْرو(4)

... إنَّ هذه النصوص تحاول كلها تعويض شعور الشاعر بالنقص من خلال أفعال حميدة يشتمل عليها جوهر الشاعر، أي أنَّ القيمة الحقيقية لا يحددها اللون الأسود الذي يرتديه الشاعر، وإنما تتجلى قيمته في سماته الأخلاقية الحميدة .

... ولم يكن التعويض مقتصراً على الأخلاق الحميدة ولكنها تتجلى أيضاً من خلال فروسية الشاعر التي تتجاوز الحد، ولذلك كان القتال عنده يوم فرح وسرور، لأنه يشعره في تلك اللحظات بأنه يتجاوز عقدة النقص، وبخاصة أنَّ الآخرين يعنون به ويولونه أهمية فائقة، ومن هنا جاء فرحه وسروره بالقتال وبالسيف يقول :

وَأَفرحُ بالسيفِ تَحتَ الغُبار

إذا ما ضَرَبتُ بِهِ أَلفَ ضَربَه(5)

ويقول :

أَحِنُّ إلى ضَرْبِ السُّيوفِ القَوَاضِبِ

وأَصْبُو إلى طَعنِ الرماحِ اللَّواعبِ(6)

وأَشتَاقُ كاسَاتِ المَنُونِ إذا صَفتْ

(1) ـ نفسه، ص 11 .

(2) ـ نفسه، ص 65 .

(3) ـ نفسه، ص 95 .

(4) ـ نفسه، ص 106 .

(5) ـ نفسه، ص 13 .

(6) ـ القواضب : السيوف، اللواعب : الرماح .

الشعر الجاهلي · الصفحة ١١٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الشعر الجاهليص ١١٥