تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

... ولقد تحكمت في رؤية عنترة بن شداد ثنائية يمثل السواد أحد بعديها، في حين يمثل البياض البعد الآخر، ولقد تركزت حول اللون الأسود، بوصفه رمزاً لقيمة اجتماعية، كل الخصائص والخصال السيئة، فهو لون الخبث والدونية والتخلف، وقاد هذا إلى شكل من أشكال الشعور بالنقص لدى الشاعر، ولذلك كان يعي دلالة السواد ويحاول تبرير طبيعته، وتعويض ذلك بالبياض الذي يكون فعلاً حميداً .

... ويعمد عنترة إلى إضفاء قيمة على السواد، وكأنه يحاول الفخر بلون السواد ويحاول الفخر بكونه عبداً، ويحاول أنْ يوسع من دلالتة الضيقة المقتصرة على الإنسان إلى أبعد من ذلك، فالمسك أسود اللون، ولكن لا يقلل السواد من أهميته وقيمته، يقول :

لئِن أَكُ أَسوداً فالمسْكُ لَوْني

وَ مَا لِسوَادِ جِلدي منْ دَواءِ

ولكن تَبعُدُ الفحشاءُ عني

كبعدِ الأرضِ عن جوِّ السماءِ(1)

... إنَّ عنترة بن شداد بهذا يضعك أمام معادل موضوعي يتقابل فيه عنترة بلونه الأسود بالمسك ذي اللون الأسود، أي أنَّ اللون لا يحدد قيمة الإنسان، وإنما جوهره هو الذي يحدد قيمته وأهميته، ولم يقتصر عنترة على ذلك، بل حاول تجلية السواد بوصفه نسباً للشاعر في مواطن القتال، يقول :

أَنا العبدُ الذي خُبّرتِ عنه

يُلاقي في الكريهةِ أَلفَ حرِّ

خُلقتُ من الحديدِ أَشدُّ قلباً

فكيفَ أَخافُ من بِيضٍ وسُمْر (2)

وأَبطشُ بَالكميِّ ولا أَبالي

وأَعلو إلى السِّماكِ بكُلِّ فَخْرِ (3)

ويقول :

يَعيبونَ لَوني بالسوادِ جَهالةً

وَلولا سَوادُ الليلِ ما طَلعَ الفَجْرُ

وإنْ كَانَ لَوني أَسوداً فَخَصَائِلي

بَيَاضٌ ومِنْ كَفيَّ يُسْتَنزلُ القَطْرُ(4)

(1) ـ نفسه، ص 11 .

(2) ـ البيض والسمر : السيوف والرماح .

(3) ـ سيف الدين الكاتب، شرح ديوان عنترة بن شداد، ص 108 .

(4) ـ نفسه، ص 71 .

الشعر الجاهلي · الصفحة ١١٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الشعر الجاهليص ١١٣