لم يكن العراق غريباً عن سكان الجزيرة العربية ، ولم تبعد القبائل التي تسكنه في أنسابها عن قبائل الجزيرة ، كان العراق امتداداً لمنازلها ، ودار هجرة من هجراتها ، كانت تنتقل إليه وتسكنه، كما كانت تنتقل إلى الشام وتسكنه ، وكان الفرس هنا كما كان الروم هناك ، يجدون في هذه القبائل التي تقارب حياة الحضر ، وتنشر لوناً من الاستقرار ، أداة من أدواتها ، التي تكفيها بوادي العرب ، تقيم منها هذه الدويلات أو الإمارات، وتجعل منها مقاطعة من مقاطعاتها ، أو ولاية من ولاياتها ، ويكون ما بينها وبينها من الجفاء أو الود ، ومن الأمانة أو الكيد ، تبعاً لما يكون من استقامة السيرة وحسن السريرة ، وتعاقب الملوك أو الأمراء . فلم يستقم الأمر على حال معينة أمداً طويلاً ، وإنما كان هناك أمراء يناصبون الملوك الساسانيين العداء ، وملوك يبذلون الأمراء الود، كان بين الأمراء العرب من لقي حتفه في السجون ، وكان من ملوك الفرس من تربى في قصور العرب وباديتهم ، وبلغ من شدة الصلات بين الفرس والعرب ، أن بهرام جور الأمير الفارسي إنما نشأ في قصور المناذرة وبوادي العرب ، وتعلم لغتهم واعتاد عاداتهم ، وقال الشعر كما يقولون . ولم يقتصر ذلك على بهرام ، وإنما كان طائفة من أبناء البيوتات الفارسية ، الذين عاشوا مع آبائهم في عملات العراق أو اليمن ، يثقفون العربية ويجيدون فنون القول فيها ، على نحو ما يجيد ذلك أبناؤها.
الشيعة قادمون · الصفحة ٥٠
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
الشيعة قادمونص ٥٠
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي