وبينما كان كسرى يواصل حملته في شمال إفريقيا ، اخترق هرقل الأراضي الشامية ، حتى بلغ العراق ، فعبر الرافدين ، ونفذ إلى قلب الإمبراطورية الفارسية . حدث ذلك في عام 627 ، وتحقق وعد الله للمسلمين في بضع سنين ، ولقي الفرس هزيمة منكرة ، ضاعفت من عوامل الاضطراب والانهيار الذي عم البلاد ، ولم يكن هذا الاضطراب إلا إيذاناً بأفول نجم الفرس ، وزوال ملك آل ساسان إلى الأبد، وبزوغ شمس الإسلام. من المؤكد أن ظهور الإسلام ، ودخوله أرض فارس عن طريق العراق، يمثل حلقة جديدة من حلقات الصراع التقليدي بين إيران والعراق، بل هو أهم الحلقات وأخطرها ـ كما سبق القول ـ نظراً إلى جسامة الأحداث التي وقت بين الطرفين ، والتي شغلت العصر الإسلامي كله ، ولا تزال ذيولها تفعل فعلها حتى عصرنا الراهن . وحتى نعيد ترتيب الحوادث، علينا أن نتذكر أن العراق كان الجسر الذي عبرت عليه جيوش الإسلام، لتنطلق في شعاب فارس وما وراءها، بعد أن حطمت عرش الأكاسرة، وأن القبائل العربية التي كانت تستوطن ضواحي العراق ( المناذرة )، وتخضع لسيادة الفرس، لعبت دوراً أثناء مراحل الفتح . وليس من شك في أن الفرس تملكهم العجب من غلبة العرب عليهم ، فاعتبروا ذلك ضرباً من سخرية القدر، مما جعلهم ينظرون إلى العراق نظرة ملؤها الغيظ والتربص وتحين الفرص للانتقام. ولكن ذلك لن يتم إلا في عصور تالية للفتح الإسلامي، عندها نجد الفرس قد تسللوا إلى مواقع النفوذ والسلطان، بعد أن نجحوا في التآمر على دولة الأمويين حتى أسقطوها وقامت على سيوفهم دولة بني العباس، فكان منهم الوزراء والقادة ، ولا بأس أن تكون لهم الوزارة إذا عزت الخلافة ، وما أمر البرامكة ببعيد عن الأذهان.
الشيعة قادمون · الصفحة ٤٨
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
الشيعة قادمونص ٤٨
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي