تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

حدث ذلك منذ خمسة آلاف عام تقريباً ، عندما انساحت القبائل العربية من اليمن تجاه الشمال في موجات متعاقبة . ثم توزعوا عل أطراف الهلال الخصيب في عصور متتالية ، منهم من توجه شرقاً نحو بلاد الرافدين ، وبصورة خاصة حوض الفرات ، ومنهم من استقر في سوريا وفلسطين ولبنان ، ومنهم من توجه غرباً نحو طور سيناء والحوض الشرقي من دلتا النيل . ولما كانت هذه القبائل على درجة معقولة من فنون الزراعة والري فقد أمكنهم نقل خبراتهم الزراعية القديمة إلى مناطق الاستيطان الجديدة ، وأسسوا العديد من التجمعات الحضارية التي كان أبرزها تلك الحضارة النهرية التي نشأت على ضفاف الدجلة والفرات في وقت معاصر ومشابه لحضارة وادي النيل .

وكما كانت حضارة النيل الفيضية سبباً في ظهور الدولة والحكومة التي تشرف على توزيع المياه وتنظيم شؤون الزراعة والري . فقد أثمرت حضارة الرافدين نشوء الدول والأنظمة والقوانين ، وقد أدى ذلك إلى ظهور قوة قطبية جديدة في العراق في مواجهة القوة القطبية التي ظلت تنفرد بزمام القوة في المنطقة ، ونعني بها قوة مصر الفرعونية ، حتى ليبدو تاريخ الشرق الأوسط منذ ذلك الحين ـ كما يصفه جمال حمدان ـ وكأنه مبارزة تاريخية بين العراق ومصر ، فإذا أضفنا إلى هاتين القوتين النهريتين ، قوة نامية ثالثة هي قوة الحيثيين في آسيا الصغرى ( شبه جزيرة الأناضول ) ، لأمكن لنا أن نتصور مسرح الصراع بين القوى الثلاث التي توزعت على رؤوس مثلث متساوي الأضلاع : مصر ـ العراق ـ آسيا الصغرى . ولسوف تنفرد تلك القوى بتسيير مجرى الأحداث في المنطقة لعدة قرون . وإلى حين ظهور مراكز قوة جديدة على حافة العراق ، والأناضول ، ونعني بهما : فارس واليونان ، أما مصر فقد كان عليها أن تدخل مرحلة البيات التاريخي ، أو مرحلة المستعمرة ذات الألف عام ، بعد أن استوعبت عصرها الإمبراطوري ، وأفرزت أول إمبراطورية في التاريخ .

حضارات العراق القديمة

الشيعة قادمون · الصفحة ٣٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الشيعة قادمونص ٣٣