فالشيعة تأثروا بالأفكار الفارسية التي لا ترى شرعية الحكم إلا في نطاق أسرة ذات حسب ونسب ومجد تليد مثلما كان أيام قورش وأسرة ساسان ، كما تأثروا بفكرة زرادشت التي تبشر بالمخلص الذي سيظهر في آخر الزمان ليحرر الناس من الظلم ويقيم العدل ، وتبلورت أفكارهم في برنامج محدد يعهد بالحكم إلى أسرة علي ابن أبي طالب ، فلما فشلت ثوراتهم المتعددة ابتدعوا فكرة الإمام الغائب في شخص " محمد بن الحنفية " الابن الثالث لعلي ابن أبي طالب ، وقد تبلورت حوله طموحات الشيعة بعد مصرع الإمام الحسين في كربلاء ، ونهض المختار الثقفي ليقود حركة مسلحة عرفت باسم ( الكيسانية ) فلما فشلت قالوا : إن الإمام محمد بن الحنفية دخل السرداب في جبل رضوى ـ بظاهر المدينةـ وبعدها تعددت فكرة الإمام والسرداب عند آخرين.
وفي الكوفة ـ بالعراق ـ نشأت بذرة الخوارج بعد حادث التحكيم ، وشقوا عصا الطاعة على أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب ، ثم اعتزلوه واختاروا لهم إماماً جديداً ، واصطنعوا لأنفسهم مجتمعاً بدأ مثالياً وانتهى إجرامياً ، بعد أن حكموا على كل المسلمين بالكفر والمروق.
وفي البصرة ـ بالعراق أيضاً ـ نشأ تيار الاعتزال انشقاقاً على إمام أهل السنة الحسن البصري ، فأنشأوا لأنفسهم مدرسة فكرية خاصة جعلت من العقل أداة اختبار لكل الأسانيد الدينية بما فيها نصوص القرآن الكريم وأحاديث الرسول، وقام منهجهم على أساس واحد هو إخضاع المنقول للمعقول . وشط المعتزلة في تضخيم مقام العقل، مثلما شطوا في الأبحاث اللاهوتية التي زجت بهم في متاهات ليس لها عائد مفيد على الحياة العملية، فلما تربعوا في السلطة ـ أيام الخليفة المأمون ـ تنكروا لمبادئهم الأصيلة في العدل والحرية واحترام الإرادة الإنسانية ، ونكلوا بمخالفيهم أسوأ تنكيل في مسألة فلسفية دخيلة على العقيدة الإسلامية ، وامتحنوا علماء السنة في أشد محنة وهي المعروفة بمحنة " خلق القرآن.