فمن الأسباب التي أدت إلى وقوع الاختلافات الفقهية بين الصحابة - رضي الله عنهم - كما ذكر الشيخ عبدالوهاب خلاف (1) ما يلي:
اولاً: إن أكثر نصوص الحكام في القرآن والسنة الصحيحة ليست قطعية الدلالة على المراد منها,بل هي ظنية الدلالة في الغالب, وكما تحتمل أن تدل على معنى تحتمل أن تدل على معنى آخر بسبب أن في النص لفظاً مشتركاً لغة بين معنيين أو أكثر, أو أن فيه لفظاً عاماً يحتمل التخصيص , أو لفظاً مطلقاً يحتمل التقييد. فكل مشرع يفهم منه حسبما ترجح عنده من القرائن ووجهات النظر.
ثانياً: إن السنة النبوية لم يتم تدوينها في عهد الصحابة - رضي الله عنهم - , ولم يكن أحد من الصحابة - رضي الله عنهم - حافظاً للسنة كلها, مما كان يضطر بعضهم في كثير من الأحيان إلى أن يتراجع عن فتواه التي أفتى بها بعد أن علم من النصوص الواردة في المسألة ما لم يكن قد علمه من قبل, ولعل هذا السبب (أعني عدم تدوين السنة) كان وراء رد بعضهم لبعض الأخبار لاعتقاد السامع أن ما معه من نصوص في المسألة قد يكون ناسخاً لما مع الصحابي الآخر أو مخصصاً له أو غير ذلك ولا دخل للراوي نفسه من حيث العدالة كما توهم السايس حين قال: (إنهم كانوا يردون الحديث لضعف ثقتهم بالراوي) (2) , فلو كان الأمر كما قال رحمه الله لما قبل حديث من دره الصحابة - رضي الله عنهم - ولو مرة, ولما تجرأ علماء الجرح والتعديل على تعديل من جرحه الصحابة - رضي الله عنهم -.
ثالثاً: اختلاف البيئات التي يعيش فيها الصحابة - رضي الله عنهم - كان له الأثر الكبير في اختلاف الأحكام التي تصدر عنهم فما يطرأ لعبدالله بن عمر في المدينة غير ما يطرأ لمعاوية بن أبي سفيان في الشام وهو غير ما يطرأ لعبدالله بن مسعود في الكوفة, لأن الأحداث وليدة البيئة فيجب أن تكون الحلول ملائمة لها وفق ما تحتمله النصوص ويتطلبه النظر الصحيح.
(1) خلاصة التشريع الإسلامي, عبدالوهاب خلاف: 3. وأنظر: تاريخ التشريع الإسلامي للسايس: 50, ومسائل في الفقه المقارن, هاشم جميل: 1/ 11 فما بعدها.
(2) تاريخ التشريع الإسلامي, محمد علي السايس: 51.