تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هذه الدراسة، تتناول تمحيص سبب وجوب الصيام، وهل هو دخول الشهر أم رؤية الهلال، لذلك لابدّ من كلمة مختصرة حول السبب كما يتحدّث عنه الأصوليون، فنقول:

السبب: (هو وصف ظاهر منضبط دلّ الدليل السمعي على كونه معرّفاً لحكم شرعي) (1)، فهو إذاً علامة على الحكم وجوداً أو عدماً، فإذا كانت بين هذه العلامة وبين الحكم مناسبة يدركها العقل، سُمِّي هذا السبب علّة. مثل: السفر سبب لإباحة الإفطار، فالسفر عادة مظنَّة للمشقّة، فيناسبه الترخيص للصائم بالإفطار، ولذلك يقال في هذا المثال: السفر سبب أو علّة لإباحة الإفطار. أمّا إذا لم تكن هناك مناسبة بين السبب والحكم يدركها العقل، فهو عند ذلك يُسمّى سبباً فقط. مثل غروب الشمس سبب لصلاة المغرب، أو دخول رمضان سبب للصيام.

ونحن نرجح اقتصار تسمية السبب على ما لم يكن بينه وبين الحكم مناسبة يدركها العقل، واعتبار النوع الأول من الأسباب التي يدرك العقل مناسبة بينها وبين الحكم علّة لذلك الحكم. وبذلك يتّضح الفرق بين السبب والعلّة.

الفصل الثاني:

الحكم الشرعي التكليفي، وجوب صيام رمضان

1 - الحكم الشرعي التكليفي هو وجوب صيام الشهر كلّه.

القرآن الكريم يتحدّث عن صيام الشهر.

قال الله تعالى: ﴿شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان، فمن شهد منكم الشهر فليصمه ... ﴾ (2)، ورأى جمهور المفسّرين أنّ الصيام واجب على كلّ مسلم دخل عليه شهر رمضان وهو مقيم غير معذور. وشهد هنا بمعنى حضر ولا علاقة لها برؤية الهلال. جاء في (لسان العرب) (3) فمن شهد منكم الشهر، أي كان حاضراً غير غائب في سفر.

والرسول صلى الله عليه وسلّم في الكثير من أحاديثه الصحيحة تحدّث عن صيام شهر رمضان.

فعدّ من أركان الإسلام الخمس (صوم رمضان). وقد أجاب الأعرابي الذي سأله عن عمل يدخله الجنّة (تعبد الله .... وتصوم رمضان)، وأجاب الرجل النجدي الذي سأله عن الإسلام، فذكر له الصلوات الخمس وأضاف (وصيام رمضان)، قال: هل عليّ غيره؟ قال: لا إلاّ أن تطوع. هذه أحاديث متفق عليها، وغيرها كثير جداً حفلت بها كلّ كتب السنّة من الصحيحين، والسنن الأربعة، ومسند أحمد، وموطأ مالك وغيرها حتّى بلغت حد التواتر المعنوي، لذلك فقد أجمع المسلمون من جميع المذاهب، وفي مختلف العصور على وجوب صيام رمضان، لم يشذ عن ذلك أحد، بل واتفق علماؤهم على ردّة كل من ينكر وجوب صيام رمضان، لأنّه لا معنى لذلك إلاّ التكذيب لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلّم.

2 - شهر رمضان هو الشهر التاسع من أشهر السنة القمريّة، ومن المعروف أنّ العرب كانوا يتعاملون وفق التقويم القمري، وقد أقرّ الإسلام ذلك بقوله تعالى: ﴿يسألونك عن الأهلّة، قل هي مواقيت للناس والحج ... ﴾ (4)،وجاء النص واضحاً في ربط فريضة الصيام بشهر رمضان، وفي ربط فريضة الحج بالأشهر القمرية (شوال- ذو القعدة- ذو الحجّة) لقوله تعالى: ﴿الحج أشهر معلومات، ... ﴾ (5)، واعتبر العلماء الحول المشترط لإستحقاق الزكاة سنة قمريّة، إستناداً إلى سنّة رسول الله صلى الله عليه وسلّم وعمل الصحابة.

أمّا الصلاة وهي خمس مرّات في اليوم والليلة، فقد ارتبطت بحركة الشمس اليومية لأنّها ظاهرة لجميع الناس، وربط أوقات الصلاة بها ميسور للعالم والجاهل. أمّا حركة القمر في اليوم فلا يمكن ربط أوقات الصلاة بها، لأنّ القمر لا يُرى عادة في النهار.

3 - عندما فرض الله على المسلمين الصيام في شهر رمضان، فهموا أنّ المقصود هو الشهر الذي يعرفونه، ... ويتعاملون به في مواقيتهم، ولم يخطر على بال أحد منهم أنّ الله تعالى جعل حدوداً مختلفة لهذا الشهر تجعله مختلفاً عن الشهر الفلكي الناتج عن حركة القمر حول الأرض. فقد كان العرب يعرفون هذه الحركة، ويشاهدون إنتقال القمر يوميّاً من منزلة إلى أخرى، ويسمّون كل منزلة بإسمها، وقد أحصوا منازل القمر بثمانية وعشرين منزلة، باعتبار أنّ اليوم التاسع والعشرين هو يوم الدخول في المحاق والخروج منه.

(1) - الاحكام في أصول الأحكام (1/ 98)، إرشاد الفحول للشوكاني (ص6)،

البحر المحيط للزركشي (1/ 306)

(2) - سورة البقرة: 185.

(3) - لسان العرب لأبن منظور.

(4) - سورة البقرة: 198.

(5) - سورة البقرة: 197.

السبب الشرعي لوجوب صيام رمضان · الصفحة ٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

السبب الشرعي لوجوب صيام رمضانص ٤