وحق هذا الاعتبار تطويل الكلام في المسند وإلا لم يحسن ذلك الحسن،أو يكون المراد بالجملة إفادة التجدد دون الثبوت فيجعل المسند فعلا ويقدم ألبتة على ما يسند إليه في الدرجة الأولى وقولي في الدرجة الأولى احتراز عن نحو أنا عرفت وأنت عرفت وزيد عرف، فإن الفعل فيه يستند على ما بعده من الضمير ابتداء ثم بوساطة عود ذلك الضمير على ما قبله يستند إليه في الدرجة الثانية وإذا سلكت هذه الطريقة سلكت باعتبارين مختلفين أحدهما أن يجري الكلام على الظاهر وهو أن أنا مبتدأ وعرفت خبره، وكذلك أنت عرفت وهو عرف ولا يقدر تقديم وتأخير كما إذا قلنا زيد عارف أو زيد عرف اللهم إلا في التلفظ. وثانيهما أن يقدر أصل النظم عرفت أنا وعرفت أنت وعرف هو، ثم يقال قدم أنا وأنت وهو فنظم الكلام بالاعتبار الأول لا يفيد إلا تقوي الحكم وسبب تقويه هو أن المبتدأ لكونه مبتدأ يستدعي أن يسند إليه شيء فإذا جاء بعده ما يصلح أن يستند إليه صرفه المبتدأ على نفسه فينعقد بينهما حكم سواء كان خاليا عن ضمير المبتدأ نحو غلامك أو كان متضمنا له نحو أنا عرفت وأنت عرفت وهو عرف أو زيد عرف، ثم إذا كان متضمنا لضميره صرفه ذلك الضمير على المبتدأ ثانيا فيكتسي الحكم قوة، فإذا قلت هو يعطى الجزيل كان المرد تحقيق إعطائه الجزيل عند السامع دون تخصيص إعطاء الجزيل به وعليه قوله عز وعلا " واتخذوا من دونه آلهة لا يخلقون شيئا وهم يخلقون " ليس المراد أن شيئا سواهم لا يخلق إنما المراد تحقيق أنهم يخلقون وقوله " إن ولي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين " وقوله وحشر لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير فهم يوزعون وقوله " وإذا جاءوكم قالوا آمنا وقد دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به " وكذلك إذا قلت أنت لا تكذب كان أقوى للحكم بنفي الكذب عن المخاطب من قولك لا تكذب من غير شبهة ومن قولك لا تكذب أنت فإن أنت هنا لتأكيد المحكوم عليه بنفي الكذب عنه بأنه هو لا غيره لا لتأكيد الحكم فتدبر وعليه قوله تعالى " والذين هم بربهم لا يشركون " وقوله لقد حق القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون " وقوله " فعميت عليهم الأنباء يومئذ فهم لا يتساءلون " وقوله " إن شر الدواب عند الله الذين كفروا فهم لا يؤمنون " ويقرب من قبيل أنا عرفت وأنت عرفت وهو عرف في اعتبار تقوى الحكم زيد عارف، وإنما قلت يقرب دون أن أقول نظيره، لأنه لما لم يتفاوت في الحكاية والخطاب والغيبة في أنا عارف وأنت عارف وهو عارف أشبه الخالي عن الضمير ولذلك لم يحكم على عارف بأنه جملة ولا عومل معاملتها في البناء حيث أعرب في نحو رجل عارف رجلا عارفا رجل عارف كما عرف في النحو وأتبعه في حكم الأفراد نحو زيد عارف أبوه وبالاعتبار الثاني يفيد التخصيص. قال تعالى " ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم " المراد لا يعلمهم إلا الله ولا يطلع على أسرارهم غيره لإبطانهم الكفر في سويداوات قلوبهم، وسيأتيك بيانه في فصل التقديم والتأخير ونظير قولنا أنا عرفت في اعتبار الابتداء لكن على سبيل القطع قولك زيد عرفت أو عرفته وفي اعتبار التقديم عرفت، الرفع يفيد تحقيق أنك عرفت والنصب يفيد أنك خصصت بالعرفان، وأما عرفته فأنت بالخيار إن شئت قدرت المفسر قبل المنصوب على نحو عرفت عرفته وحملته على باب التأكيد وإن شئت قدرته بعده على نحو عرفت عرفته وحملته على باب التخصيص، وأما نحو قوله " وأما ثمود فهديناهم " فيمن قرأ بالنصب فليس إلا التخصيص لامتناع أما فهدينا ثمود وأما نحو زيد عرف ورجل عرف فليسا من قبيل هو عرف في احتمال الاعتبارين على السواء بل حق المعرف حمله على وجه تقوى الحكم وحق النكر حمله على وجه التخصيص، وإنما افترق الحكم بين الصور الثلاث لأنه إذا قلنا عرف هو لم يكن هو فاعلا لما عرف في علم النحو أن ضمير الفاعل لا ينفصل إلا إذا جرى الفعل على غير ما هو له في موضع الإلباس وإذا تقدم عليها إلا صورة كنحو ما ضرب إلا هو أو معنى كنحو إنما يدافع عنك أنا إذ المعنى لا يدافع عنك إلا أنا وإذا لم يكن هو فاعلا احتمل التقديم على الفعل فإذا قلنا هو عرف كان له ذلك الاحتمال مع احتمال الابتداء لكونه في موضعه وكونه مع ذلك على شرطه في قوة الفائدة بالإخبار عنه وهو تعرفه وإذا قلنا عرف زيد كان زيد مرفوعا بعرف لقلة نظائر وأسروا النجوى الذين ظلموا
مفتاح العلوم · الصفحة ٩٦
النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.
مفتاح العلومص ٩٦
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي