نظير قوله تعالى عز قائلا " عوان بين ذلك " وأفعل التفضيل في معنى الزيادة إذا شرط التقابل اقتضى فيه التنكير وحكم موصوفه فيه من الإفراد والتثنية والجمع كقولك هو أفضل رجل وهما أفضل رجلين وهم أفضل رجال وإلا أبى التنكير فيه والإفراد، ومن شأن أفعل التفضيل إذا كان مضافا بمعنى الزيادة لا بشرط التقابل أن يكون موصوفه في جملة المضاف إليه ولذلك نهى في إضافته هذه من نحو أن يقال يوسف أحسن إخوته بإضافة الإخوة على ضمير يوسف لمنافاتها حكم أفعل لاقتضائها أن لا يكون يوسف في الإخوة، وذو وما يتصل به من المؤنث وغيره يقتضي فيه الجنسية كنحو ذو مال وذات جمال ونحو قوله:
صبحنا الخزرجية مرهفات ... أباد ذوي أرومتها ذووها
معدود في الشواذ.
فصل
وكما اتفق في قبيل عوامل الأفعال ما قد تفرد بأحكام راجعه إليه كذلك اتفق ههنا من ذلك أفعل التفضيل فإنه متفرد بأن يكون استعماله إما معرفا باللام وإما مضافا وإما مصحوبا بمن، ويلزمه في الأول التثنية والجمع والتأنيث وفي الثالث ترك ذلك ولا يكون إلا منكرا فيه وفي الثاني الخبرة لم يخرج من هذا الحكم إلا آخر فإنه التزم فيه حذف من ولم يستوفيه ما استوى في أخواته حيث قالوا: مررت بآخرين وآخرين وأخرى وأخريين وأخر وأخريات وإلا دنيا في مؤنثة فإنها استعملت بغير حرف التعريف. قال العجاج: في سعي دنيا طالما قدمت رجلي أيضا. ومن ذلك هلم في لغة بني تميم فإنهم يقولون هلما هلموا هلممن، والظاهر من حكم أسماء الأفعال امتناع ذلك وعليه أهل الحجاز فيه ولذلك حيث قالوا هاتيا هاتوا هاتي هاتين اخترنا منع اسمية هات على ارتكاب نوع من الخفاء في اشتقاقه، ومن ذلك ها فإنه تلحق آخره همزة للخطاب ويصرف مع المخاطب في أحواله تصريف كاف الخطاب، والظاهر من هذا الاستعمال فيما عداه العدم. وأما الجزم فللفعل إذا أفاد فيه معنى الشرط والجزاء والأسماء التي تفيد ذلك هي من نحو من يكرمني أكرمه وأي نحو أيهم يأنني أكرمه وأنى نحو فأصبحت أنى تأتها تلتبس بها وإذا ما نحو وإذ ما تخرج أخرج وحيثما نحو حيثما تجلس أجلس وأين نحو أين تكن أكن ومتى نحو متى تركب أركب وتدخل عليهما ما لزيادة الإبهام فيقال أينما ومتى ما، وما نحو ما تصنع أصنع وتدخل عليها عند قوم ما الإبهامية فتصير ماما فتستشبع فيجعل مهما وعند آخرين تدخل على مذ وإذا في الشعر وإذما، وبسط الكلام في معاني هذه الأسماء موضعه علم المعاني، ولمعنى الشرط في إذا دون إذ حمل الرفع في نحو " إذا السماء انشقت " على نحو ما حمل في إن ذو لوثة لأنا ونظائره، ولنقتصر من النوع الاسمي على هذا القدر وإلا فإن خيط الكلام فيه مما لا يكاد ينقطع.
وأما النوع المعنوي، وهو الرابع فإنه صنفان: أحدهما التزامي، وذلك أن تأخذ معنى فعل من غير الفعل لدلالة له عليه وأنه برفع إذا كان المأخوذ منه جملة ظرفية ومعتمدة على أحد الأشياء الخمسة كنحو هل في الدار أحد وما عندنا شيء وأو كصيب من السماء فيه ظلمات ولقيته عليه جبة وشيء وزيد له فرس هو الأعرف وأن لم تكن معتمدة أو لم يكن المأخوذ منه جملة ظرفية لم يصلح إلا لنصب المفعول المطلق أو ما يقوم مقامه كنحو علي لفلان ألف درهم عرفا، والله أكبر دعوة الحق:
وإني لأمنحك الصدود وإنني ... قسما إليك مع الصدود لأميل
ونحو هذا عبد الله حقا والحق لا الباطل وهذا زيد غير ما تقول أو المفعول فيه كنحو في الدار زيد أبدا ولك غلامي يوم الجمعة أو الحال كنحو مالك قائما و ما شأنك واقفا وهذا بعلي شيخا لا ينصب إلا وهو متقدم على المعمول في الأقوى. وثانيهما ليس بالتزامي وأنه عند سيبويه يرفع لا غير وعند الأخفش من أصحابنا في مذهبه في الصفة يتخطى الرفع وكذا عند خلف الأحمر من الكوفيين في مذهبه في الفاعل والمفعول ووضع كتابنا هذا حيث أفاد الغرض الأصلي من الكلام في الصفة والفاعل والمفعول وهو معرفة إعرابها أغنى عن التعرض لغير مذهب سيبويه فنسوق الكلام بإذن الله تعالى على مذهبه.