تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهذا أوان أن نثني عنان القلم على تحقيق ما عساك تنتظر منذ افتتحنا الكلام في هذه التكملة أن نحققه أو عل صبرك قد عيل له وهو أن صاحب التشبيه أو الكناية أو الاستعارة كيف يسلك في شأن متوخاة مسلك صاحب الاستدلال وأنى يعشو أحدهما على نار الآخر والجد وتحقيق المرام مئنة هذا والهزل وتلفيق الكلام مظنة هذا فنقول وبالله الحول والقوة: أليس قد تلى عليك صور الاستدلال أربع لا مزيد عليهن وأن الأولى هي التي تستبد بالنفس وأن ما عداها تستمد منها بالارتداد إليها فقل لي إن كانت التلاوة أفادت شيئا هل هو غير المصير على ضروب أربعة بل على اثنين محصولهما إذا أنت وفيت النظر على المطلوب حقه إلزام شيء يستلزم شيئا فيتوصل بذاك على الإثبات أو يعاند شيئا فيتوصل بذلك على النفي ما أظنك أن صدق الظن يجول في ضميرك حائل سواه ثم إذا كان حاصل الاستدلال عند رفع الحجب هو ما أنت تشاهد بنور البصيرة فوحقك إذا شبهت قائلا خدها وردة تصنع شيئا سوى أن تلزم الخد ما تعرفه يستلزم الحمرة الصافية فيتوصل بذلك على وصف الخد بها أو هل إذا كنيت قائلا فلان جم الرماد تثبت شيئا غير أن تثبت لفلان كثرة الرماد المستتبعة للقرى توصلا بذلك على اتصاف فلان بالمضيافية عند سامعك أو هل إذا استعرت قائلا في الحمام أسد تريد أن تبرز من هو في الحمام في معرض من سداه ولحمته شدة البطش وجراءة المقدم مع كمال الهيبة فاعلا ذلك ليتسم فلان بهاتيك السمات أو هل تسلك إذا رمت سلب ما تقدم خدها باذنجانة سوداء أو قلت قدر فلان بيضاء أو قلت في الحمام فراشة مسلكا غير إلزام المعاند بدل المستلزم ليتخذ ذريعة على السلب هنالك أرأيت والحال هذا أن ألقي إليك زمام الحكم أتجدك لا تستحي أن تحكم بغير ما حكمنا نحن أو تهجس في ضميرك أني يعشو صاحب التشبيه أو الكناية أو الاستعارة على نار المستدل ما أبعد التمييز بمجرده أن يسوغ ذلك فضلا أن يسوغه العقل الكامل والله المستعان، هذا وكم ترى المستدل يتفنن فيسلك تارة طريق التصريح فيتمم الدلالة وأخرى طريق الكناية إذا مهر مثل ما تقول للخصم أن صدق ما قلت استلزم كذا واللازم منتف ولا تزيد فتقول وانتفاء اللازم يدل على انتفاء الملزوم فلزم منه كذب قولك، وهل فصل القياسات ووصلها يشم غير هذا، وأما بعد فللمحصلين فيما نحن بصدده أشياء تسلك فيما بينهم فلنورد طرفا منها لمجرد التنبيه على نوعها من ذلك أن تعريف الدليل ممتنع لأن العلم يتركب الدليل إن كان بالضرورة امتنع تعريفه وإن كان بالدليل لزم إما الدور وإما التسلسل وها باطلان ولا شيء سوى الضرورة والاستدلال، فيجاب عنه بأنا لا نعرف تركيب الدليل، وإنما ننبه عليه من له في ظننا استعداد التنبه فإن لم ينتبه محوناه عن دفتر المخاطبين ولا شبهة في تفاوت النفوس لإدراك العلوم، ومن ذلك أن الاكتساب بالدليل ممتنع فإن إفادته للعلم إن كانت بالضرورة لزم منه الاشتراك في العلم، فالدليل اشتراك العلم بما يفيد واللازم كما هو غير خاف منتف فيجاب عن ذلك بأنه تشكيك فيما يعلم كل أحد بالضرورة أن ليس كل علم ضروريا فيعترض عليه بأن تصحيح ذلك في حيز التعارض لكونه مشككا أيضا في إحدى الضرورات المتآلف عنها السؤال. فيجاب عن الاعتراض بأن التعارض، إن كان أورثكم شكا في ضرورات سؤالكم فالاعتراض مقدوح فيه فلا يستحق الجواب، وإن كان لم يورث فهو اعتراف منكم بكون ضرورتنا قائمة فلا حاجة بنا على الجواب، فيقدح في الجواب بأن التعارض إذا أورث تشكيكا لنا أوجب مثله لكم فيصار في دفع القدح على أنه تمسك منكم بالدليل وأنه تناقض، وإنما أخرت هذا ولك أن تقدمه ليقرع سمعك ما قد سبقه، ومن ذلك أن الاكتساب بالدليل إن قيل به لزم في كل من هو عاقل جمال أو حمال أو نظيرهما إذا نظروا أن يحصل لهم من العلوم العقلية ما قد تفرد به الأفراد لكون النظر في نفسه ممكنا وإلا لزم الجبر وكون أجزاء الدليل في ذهن كل أحد لامتناع القول باكتسابها على ما سبق في باب الحد وكون صحة تركيب الدليل وفساده غير مكتسبين تفاديا عن المحذورين الدور والتسلسل وكون الصادر علما مستغنيا عن الاكتساب للتفادي عن المحذورين، ثم إن هذا اللازم معلوم الانتفاء لكل منصف ذي بصيرة فيقال إن سلم لكم ما ذكرتموه في توجيه ما ألزمتم فهو ألزم لكما فيما إذا كانت العلوم عن آخرها مبرأة عن الاكتساب

مفتاح العلوم · الصفحة ٢١٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مفتاح العلومص ٢١٨