تركيب الدليل في هذا الفصل في كل صورة من الصور الأربع لا يزيد على أربعة أقسام: وهي أن تكون السابقة خبرية واللاحقة إما متصلة وإما منفصلة، وأن تكون اللاحقة خبرية والسابقة إما متصلة وإما منفصلة، وقد عرفت جميع ذلك فاعتبر التركيبات بنفسك وإذ قد نجز الموعود في الفصول الثلاثة من فن الاستدلال فلولا أن للأصحاب فصولا سواها يتكلمون فيها كفصل القياسات المركبة، وفصل القياسات الاستثنائية، وفصل قياس الخلف، وفصل عكس القياس، وفصل قياس الدور وغير ذلك لختمنا الكلام في هذا الفن مؤثرين أن لا ننظمها في سلك الإيراد لرجوعها إما على مجرد إصطلاح وإما على فائدة قلما تخفى على ذي فطنة يتقن ما قد سبق ذكره، ولكنا نقفو أثرهم اعتناء بإيضاح ماتوخوه مع التنبيه على ما هنالك من وجوه الضبط عندنا فنقول: تركيب القياسات عبارة عن تركيب دليل فيه تركيب دليل إما لسابقته وإما للاحقته وإما لكلتيهما وقس على هذا وأنا أذكر مثالا واحدا وهو قولنا في دليل فيه دليل سابقته كل جسم قرين كون في جهة معينة وكل كون حادث فكل جسم قرين حادث وكل قرين حادث حادث فكل جسم حادث وتركيب القياسات عندهم ينقسم على موصول وهو أن يكون الدليل المودع في الدليل قد وصل بذكر سابقته ولاحقته، والحاصل منهما في المثال المذكور. وعلى مفصول وهو أن يكون قد فصل عنه ذكر الحاصل من جملتيه كما إذا قلت كل جسم قرين كون في جهة معينة وكل كون في جهة معينة حادث وكل قرين حادث حادث وكل جسم حادث ولك أن تجعل الوصل عبارة عن أن يوصل الدليل بالتصريح بجميع ما لابد منه في استلزامه للمطلوب والفصل عبارة عن ترك شيء إذا علم موقعه فنقول في قولك هذا مساو لذلك وذاك مساو لذلك فهذا مساو لذلك إنه مفصول، وفي قولك هذا مساو لذاك وذاك مساو لذلك وكل لمساو لشيء مساو لذلك الشيء فهذا مساو لذلك أنه موصول وأن تقول في قولك إن كانت الشمس طالعة فالنهار موجود وإن كان النهار موحودا فالأعشى يبصر والشمس طالعة فالأعشى يبصر أنه مفصول وفي قولك والشمس طالعة فالنهار موجود فالأعشى يبصر أنه موصول. والقياس الاستثنائي عبارة عن الاستدلال بثبوت الملزوم على ثبوت لازمه وبنفي اللازم على انتفاء ملزومه دون مقابليهما إلا فيما كان اللازم مساويا لكن ذلك لا يكون عن قوة النظم مثال الاستدلال بثبوت الملزوم على ثبوت اللازم إن كان هذا إنسانا فهو حيوان لكنه انسان فيحصل هو حيوان ومثال الاستدلال بنفي اللازم على انتفاء ملزومه إن كان إنسانا فهو حيوان لكنه ليس بحيوان فيحصل ليس هو بإنسان وهو من الدلالات الواضحة المستلزم تكذيبها الجمع بين النقيضين استلزاما ظاهرا، ولك تنزل الأول منهما منزلة الضرب الثاني من الصورة الأولى لأن قولنا إن كان هذا إنسانا فهو حيوان في قوة كل إنسان حيوان فتجعله لاحقة وتجعل قولك لكنه إنسان وهو في قوة هو إنسان سابقة وتركب الدليل هكذا هو إنسان وكل إنسان حيوان فيحصل هو حيوان وأن تنزل الثاني منزلة الضرب الرابع من الصورة الثانية ناظما قولك لكنه ليس بحيوان في سلك ليس هو بحيوان مركبا للدليل هكذا هو ليس بحيوان وكل إنسان حيوان محصلا منه ليس هو بإنسان وأما مقابلاهما فلا ينتظمهما على ما سلكنا من الطريق ضرب من ضروب الصور فتأمل. وأما قياس الخلف فقد تكرر عليك غير مرة كونه دليلا مركبا من نقيض الحاصل من الدليل المذكور ومن إحدى جملتيه لبيان بطلان النقيض بوساطة أن الدليل متى صح تركيبه وصدقت جملتاه لزمه الحق واللازم ههنا منتف فيلزم انتفاء الملزوم وإذ لا شبهة في صحة التركيب، وفي صدق إحدى الجملتين فالمتعين للكذب إذن هي الجملة الأخرى وهي النقيض توصلا بذلك كله على إثبات حقية الحاصل من الدليل المذكور سابقا، والخلف إذا نظم في سلك القياسات المركبة نظم لذلك ونسميه قياس الخلف إما لأنه قياس يسوق على حاصل رديء وهو خلاف الحق فالخلف هو الكلام الرديء يقال سكت ألفا ونطق خلفا وإما لأنه قياس كأنه يأتي من وراء من ينكر حاصل الدليل السابق ويترك حمله بنفس الدليل فالخلف هو الوراء أيضا بناء على أن الإنسان متى اتصف بالإنكار لشيء وصف بأنه حول ظهره إليه وكذا إذا ترك العمل به وأبى قبوله قيل نبذه وراء ظهره وعليه قوله علت كلمته " فنبذوه وراء ظهورهم " أي تركوا العمل به وربما جرى على ألسن الدخلاء في هذا الفن بضم الخاء وقد جرت
مفتاح العلوم · الصفحة ٢١٦
النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.
مفتاح العلومص ٢١٦
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي