ويتضمن التعرض للحقيقة. والكلام في ذلك مفتقر على تقديم التعرض لوجه دلالات الكلم على مفهوماتها ولمعنى الوضع والواضع. من المعلوم أن دلالة اللفظ على مسمى دون مسمى مع مع استواء نسبته إليهما يمتنع فيلزم الاختصاص بأحدهما ضرورة والاختصاص لكونه أمرا ممكنا يستدعي في تحققه مؤثرا مخصصا وذلك المخصص بحكم التقسيم أما الذات أو غيرها، وغيرها أما الله تعالى وتقدس أو غيره، ثم إن في السلف من يحكي عنه اختيار الأول، وفيها من اختار الثاني وفيهم من اختار الثالث وأطبق المتأخرون على فساد الرأي الأول، ولعمري أنه فاسد فإن دلالة اللفظ على مسمى لو كانت لذاته كدلالته على اللافظ وأنك لتعلم أن ما بالذات لا يزول بالغير لكان يمتنع نقله على المجاز، وكذا على جعله علما ولو كانت دلالته ذاتية لكان ينجب امتناع أن لا تدلنا على معاني الهندية كلماتها وجوب امتناع أن لا تدل على اللافظ لامتناع انفكاك الدليل عن المدلول ولكان يمتنع اشتراك اللفظ بين متنافيين كالناهل للعطشان وللريان على ما تسمعه من الأصحاب لا مني لما تقدم لي أن تذكرت وكالجون للأسود والأبيض وكالقرء للحيض والطهر وأمثالها لاستلزامه ثبوت المعنى مع انتفائه متى قلت هو ناهل أو جون ووجوه فساده أظهر من أن تخفى وأكثر من أن تحصى مادام محمولا على الظاهر ولكن الذي يدور في خلدي أنه رمز وكأنه تنبيه على ما عليه أئمة علمي الاشتقاق والتصريف أن للحروف في أنفسها خواص بها تختلف كالجهر والهمس والشدة والرخاوة والتوسط بينهما وغير ذلك مستدعية في حق المحيط بها علما أن لا يسوي بينها وإذا أخذ في تعيين شيء منها لمعنى أن لا يهمل التناسب بينهما قضاء لحق الحكمة مثل ما ترى في الفصل بالفاء الذي هو حرف رخو لكسر الشيء من غير أن يبين، والقصم بالقاف الذي هو حرف شديد لكسر الشيء حتى يبين، وفي الثلم بالميم الذي هو حرف خفيف ما يبنى لخلل في الجدار والثلب بالباء الذي هو حرف شديد للخلل في العرض. وفي الزفير بالفاء لصوت الحمار والزئير بالهمز الذي هو شديد لصوت الأسد وما شاكل ذلك وأن للتركيب كالفعلان والفعلى بتحريك العين منهما مثل النزوان والحيدي وفعل مثل شرف وغير ذلك خواص أيضا فيلزم فيها ما يلزم في الحروف، وفي ذلك نوع تأثير لا نفس الكلم في اختصاصها بالمعاني هذا والحق بعد إما التوقيف والإلهام قولا بأن المخصص هو تعالى، وإما الوضع والإصطلاح قولا بإسناد التخصيص على العقلاء والمرجع بالآخرة فيهما أمر واحد وهو الوضع لكن الواضع إما الله عز وجل وإما غيره والوضع عبارة عن تعيين اللفظة بإزاء معنى بنفسها وقولي بنفسها احتراز عن المجاز إذا عينته بإزاء ما أردته بقرينة فإن ذلك التعيين لا يسمى وضعا، وإذا عرفت أن دلالة الكلمة على المعنى موقوفة على الوضع وأن الوضع تعيين الكلمة بإزاء معنى بنفسها وعندك علم أن دلالة معنى على معنى غير ممتنعة عرفت صحة أن تستعمل الكلمة مطلوبا بها نفسها تارة معناها الذي هي موضوعة له ومطلوبا بها أخرى معنى معناها بمعونة قرينة ومبنى كون الكلمة حقيقة ومجازا على ذا، فالحقيقة هي الكلمة المستعملة فيما هي موضوعة له من غير تأويل في الوضع كاستعمال الأسد في الهيكل المخصوص فلفظ الأسد موضوع له بالتحقيق ولا تأويل فيه وإنما ذكرت هذا القيد ليحترز به عن الاستعارة ففي الاستعارة تعد الكلمة مشتملة فيما هي موضوعة له على أصح القولين ولا نسميها حقيقة بل نسميها مجازا لغويا لبناء دعوى المستعار موضوعا للمستعار له على ضرب من التأويل كما ستحيط بجميع ذلك علما في موضوعه إن شاء الله تعالى، ولك أن تقول الحقيقة هي الكلمة المستعملة فيما تدل عليه بنفسها دلالة ظاهرة كاستعمال الأسد في الهيكل المخصوص أو القرء في أن لا يتجاوز الطهر والحيض غير مجموع بينهما فهذا يدل عليه بنفسه ما دام منتسبا على الوضعين. أما إذا خصصته بواحد إما صريحا مثل أن تقول القرء بمعنى الطهر، وأما استلزاما مثل أن تقول القرء لا بمعنى الحيض فإنه حينئذ ينتصب دليلا دالا بنفسه على الطهر بالتعيين كما كان الواضع عينه بازائه بنفسه وإنه لمظنة فضل تأمل منك فاحتط، وقولي دلاله ظاهرة احتراز عن الاستعارة وستعرف وجه الاحتراز في باب الاستعارة، ولك أن تقول الحقيقة هي الكلمة المستعملة في معناها بالتحقيق والحقيقة تنقسم عند العلماء على لغوية
مفتاح العلوم · الصفحة ١٥٨
النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.
مفتاح العلومص ١٥٨
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي