تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أو مركبا عقليا كما في قوله عز قائلا " إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض مما يأكل الناس والأنعام حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلا فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالأمس " وكلما كان التركيب خياليا كان أو عقليا من أمور أكثر كان حاله في البعد والغرابة أقوى، وأما كون التشبيه مقبولا فالأصل فيه هو أن يكون الشبه صحيحا وقد تقدم معنى الصحة وأن يكون كاملا في تحصيل ما علق به من الغرض وأن يكون سليما عن الابتذال مثل أن يكون المشبه به محسوسا أعرف شيء بأمر لون مخصوص أو شكل أو مقدار أو غير ذلك إذا كان الغرض من التشبيه بيان حال المشبه من جهة ذلك الأمر أو بيان مقداره على ما هو عليه فالنفس على الأعرف عندها أميل وله متى صادفته أقبل لا سيما فيما إلفها به أكمل لكن يجب في الثاني كون المشبه به مع ما ذكر على حد مقدار المشبه في وجه التشبيه لا أزيد ولا أنقص وكلما كان أدخل في السلامة كان الزيادة أو النقصان كان أدخل في القبول أو مثل أن يكون المشبه به أتم محسوس في أمر حسي هو وجه الشبه إذا قصد تنزيل المشبه الناقص منزلة الكامل أو قصد زيادة تقرير المشبه عند السامع لمثل ما تقدم أو مثل أن يكون المشبه به مسلم الحكم معروفه فيما يقصد من وجه التشبيه إذا كان الغرض من التشبيه بيان إمكان الوجود أو محاولة التزيين أو التشويه فقبول النفس لما تعرف فوق قبولها لما لا تعرف أو مثل أن يكون المشبه به في التشبيه الاستطرافي نادر الحضور في الذهن لبعده عن التصور أو نادر الحضور فيه مع المشبه لبعد نسبته إليه فالنفس تتسارع على قبول نادر يطلع عليها لما تتصور لديه من لذة التجدد وتتمثل من تعريه عن كراهة معاد هذا وإنك متى تفطنت لأسباب قرب التشبيه وتقارب مسلكه وكذا لأسباب انخراطه من القبول في سلكه تفطنت لأسباب بعده وغرابته ولأسباب رده لرداءته، ولن يذهب عليك أن مقرب التشبيه متى كان أقوى كان التشبيه أقرب وكذا مبعده متى كان أقوى كان أغرب وجرى لذلك في شأن قبوله ورده على نحو مجراه في شأن قربه وبعده. واعلم أن ليس من الواجب في التشبيه ذكر كلمة التشبيه بل إذا قلت زيد أسد واكتفيت بذكر الطرفين عد تشبيها مثله إذا قلت كأن الأسد اللهم إلا في كونه أبلغ ولا ذكر المشبه لفظا، بل إذا كان محذوفا مثله إذا قلت أسد وأي أسد جاعلا المشبه به خبرا مفتقرا على المبتدأ كفى لقصر المسافة بين الملفوظ به في الكلام والمحذوف من بشرائطه في قوة الإفادة وإنما الواجب في التشبيه إذا ترك المشبه أن لا يكون مضروبا عنه صفحا مثله إذا قلت عندي أسد أو رأيت أسدا ونظرت على أسد فإنه لا يعد تشبيها وسيأتيك بيان حاله وإنما عد نحو زيد أسد وقرينه المحذوف المبتدأ تشبيها لأنك حين أوقعت أسدا وهو مفرد غير جملة خبرا لزيد استدعى أن يكون هو إياه مثله في زيد منطلق في أن الذي هو زيد بعينه منطلق وإلا كان زيد أسد مجرد تعديد نحو خيل فرس لا إسنادا لكن العقل يأبى أن يكون الذي هو إنسان هو بعينه أسدا فيلزم لامتناع جعل اسم الجنس وصفا للإنسان حتى يصح إسناده على المبتدأ المصير على التشبيه بحذف كلمته قصدا على المبالغة، وإذا عرفت أن وجود طرفي التشبيه يمنع عن حمل الكلام على غير التشبيه عرفت أن فقد كلمة تشبيه لا تؤثر إلا في الظاهر وعرفت أن نحو رأيت بفلان أسدا ولقيني منه أسد وهو أسد في صورة إنسان وإذا نظرت إليه لم تر إلا أسدا وإن رأيته عرفت جبهة الأسد ولئن لقيته ليلقينك منه الأسد وإذا أردت أسدا فعليك بفلان وإنما هو أسد وليس هو آدميا بل هو أسد كل ذلك تشبيهات لا فرق إلا في شأن المبالغة، فالخيط الأبيض والخيط الأسود في قوله عز وجل قائلا " حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط السود " يعدان من باب التشبيه حيث بينا بقوله " من الفجر " ولولا ذلك لكانا من باب الاستعارة. والحاصل من مراتب التشبيه ثمان: إحداها ذكر أركانه الأربعة وهي المشبه والمشبه به وكلمة التشبيه، ووجه التشبيه كقولك زيد كالأسد في الشجاعة ولا قوة لهذه المرتبة. وثانيتها ترك المشبه كقولك كالأسد في الشجاعة وهي كالأولى في عدم القوة. وثالثتها ترك كلمة التشبيه كقولك زيد أسد في الشجاعة وفيها نوع قوة. ورابعتها ترك المشبه وكلمة التشبيه كقولك أسد في الشجاعة في

مفتاح العلوم · الصفحة ١٥٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مفتاح العلومص ١٥٦