تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

اصبر على مضض الحسو ... د فإن صبرك قاتله

فالنار تأكل نفسها ... إن لم تجد ما تأكله

فإن تشبيه الحسود المتروك مقاولته بالنار التي لا تمد بالحطب فيسرع فيها الفناء ليس إلا في أمر متوهم له وهو ما تتوهم إذا لم تأخذ معه في المقاولة مع علمك بتطلبه إياها عسى أن يتوصل بها على نفثة مصدور من قيامه إذ ذاك مقام أن تمنعه ما يمد حياته ليسرع فيه الهلاك وأنه كما ترى منتزع من عدة أمور، وكالذي في قوله:

وإن من أدبته في الصبا ... كالعود يسقي الماء في غرسه

حتى تراه مورقا ناضرا ... بعد الذي أبصرت من يبسه

فإن تشبيه المؤدب في صباه بالعود المسقي أو أن الغرس المونق بأوراقه ونضرته ليس إلا فيما يلازم كونه مهذب الأخلاق مرضي السيرة حميد الفعال لتأدية المطلوب بسبب التأديب المصادف وقته من تمام الميل إليه وكمال استحسان حاله وأنه كما ترى أمر تصوري لا صفة حقيقية وهو مع ذلك منتزع من عدة أمور كالذي من قوله عز من قائل " مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون " فإن وجه تشبيه المنافقين بالذين شبهوا بهم في الآية هو رفع الطمع على تسني مطلوب بسبب مباشرة أسبابه القريبة مع تعقب الحرمان والخيبة لانقلاب الأسباب وأنه أمر توهمي كما ترى منتزع من أمور جمة وكالذي في قوله تعالى أيضا " أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت " وأصل النظم أو كمثل ذوي صيب فحذف ذوي لدلالة يجعلون أصابعهم في آذانهم عليه وحذف مثل لما دل عليه عطفه على قوله كمثل الذي استوقد نارا إذ لا يخفى أن التشبيه ليس بين مثل المستوقدين وهو صفتهم العجيبة الشأن وبين ذوات ذوي الصيب إنما التشبيه بين صفة أولئك وبين صفة هؤلاء ونظيره قوله تعالى " يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله كما قال عيسى بن مريم للحواريين من أنصاري على الله فأوقع التشبيه بين كون الحواريين أنصار الله وبين قول عيسى على الحواريين من أنصاري على الله، وإنما المراد كونوا أنصار الله مثل كون الحواريين أنصاره وقت قول عيسى من أنصاري على أن ما مصدري مستعمل ما قال استعمال مقدم الحاج ثم نظير المذكور في حذف المضاف والمضاف إليه قول القائل:

أسأل البحار فأنتحي للعقيق

وقول الآخر:

وقد جعلتني من خزيمة أصبعا

على ما قدر الشيخ أبو علي الفارسي رحمه الله من أسأل سقيا سحابه ومن ذا مسافة إصبع، وحذف المضافات من الكلام عند الدلالة سائغ من ذلك قوله تعالى " فكان قاب قوسين أو أدنى " تقديره فكان مقدار مسافة قرب جبريل عليه السلام مثل قاب قوسين، وإن قوله أو كصيب من السماء على الآخر تمثيل لما أن وجه التشبيه بينهم وبين المنافقين هو أنهم في المقام المطمع في حصول المطالب ونجح المآرب لا يحظون إلا بضد المطموع فيه من مجرد مقاساة الأهوال وأنه كما ترى مما نحن بصدده وكذا الذي في قوله عز وجل " مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا " فإن وجه التشبيه بين أحبار اليهود الذين كلفوا العمل بما في التوراة ثم لم يعملوا بذلك وبين الحمار الحامل للأسفار هو حرمان الانتفاع بما هو أبلغ شيء بالانتفاع به مع الكد والتعب في استصحابه وليس بمشتبه كونه عائدا على التوهم ومركبا من عدة معان، والذي نحن بصدده من الوصف غير الحقيقي أحوج منظور على التأمل الصادق من ذي بصيرة نافذة وروية ثاقبة لالتباسه في كثير من المواضع بالعقلي الحقيقي لا سيما المعاني التي ينتزع منها فربما انتزع من ثلاثة فأورث الخطأ لوجوب انتزاعه من أكثر نحو قوله:

كما أبرقت قوما عطاشا غمامة ... فلما رأوها أقشعت وتجلت

إذا أخذت تنتزع وجه التمثيل من قوله: كما أبرقت قوما عطاشا غمامة، فحسب نزلت عن غرض الشاعر من تشبيهه بمراحل فإن مغزاه أن يصل ابتداء مطمعا بانتهاء مؤيس وذلك يوجب انتزاع وجه التشبيه من مجموع البيت، ثم إن التشبيه التمثيلي متى فشا استعماله على سبيل الاستعارة لا غير سمي مثلا ولورود الأمثال على سبيل الاستعارة لا تغير، وسيأتيك الكلام في الاستعارة بإذن الله تعالى.

مفتاح العلوم · الصفحة ١٥٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مفتاح العلومص ١٥٤