النوع الثالث: النظر في الغرض من التشبيه. الغرض من التشبيه في الأغلب يكون عائدا على المشبه ثم قد يعود على المشبه به، فإذا كان عائدا إلى المشبه فإما أن يكون لبيان حاله كما إذا قيل لك ما لون عمامتك قلت كلون هذه وأشرت على عمامة لديك، وإما أن يكون لبيان مقدار حاله كما إذا قلت هو في سواده كحلك الغراب، وإما أن يكون لبيان إمكان وجوده كما إذا رمت تفضيل واحد على الجنس على حد يوهم إخراجه عن البشرية على نوع أشرف وأنه في الظاهر كما ترى أمر كالممتنع فتتبعه التشبيه لبيان إمكانه قائلا حاله كحال المسك الذي هو بعض دم الغزال وليس يعد في الدماء ما اكتسب من الفضيلة الموجبة إخراجه على نوع أشرف من الدم. وإما أن يكون لتقوية شأنه في نفس السامع وزيادة تقرير له عنده كما إذا كنت مع صاحبك في تقرير أنه لا يحصل من سعيه على طائل، ثم أخذت ترقم على الماء وقلت هل أفاد رقمي على الماء نقشاما أنك في سعيك هذا كرقمي على الماء فإنك تجد لتمثيلك هذا من التقرير ما لا يخفى، وإما أن يكون لإبرازه على السامع في معرض التزيين أو التشويه أو الاستطراف وما شاكل ذلك كما إذا شبهت وجها أسود بمقلة الظبي إفراغا له في قالب الحسن ابتغاء تزيينه أو كما إذا شبهت وجها مجدورا بسلحة جامدة، وقد نقرتها الديكة إظهارا له في صورة أشوه إرادة ازدياد القبح والتنفير أو كما إذا شبهت الفحم فيه جمر موقد ببحر من المسك موجه الذهب نقلا له عن صحة الوقوع على امتناعه عادة ليستطرف وللاستطراف وجه آخر وهو أن يكون المشبه به نادر الحضور في الذهن، إما في نفس الأمر كالذي نحن فيه، فإذا أحضر استطرف استطراف النوادر عند مشاهدتها واستلذ استلذاذها لجدتها فلكل جديد لذة، وإما مع حضور المشبه في أوان الحديث فيه مثل حضور النار والكبريت مع حديث البنفسج والرياض كما في قوله:
ولازوردية تزهو بزرقتها ... بين الرياض على حمر اليواقيت
كأنها فوق قامات ضعفن بها ... أوائل النار في أطراف كبريت
فإن صورة اتصال النار بأطراف الكبريت ليست مما يمكن أن يقال أنها نادرة الحضور في الذهن ندرة صورة بحر من المسك موجه الذهب، وإنما النادر حضورها مع حديث البنفسج فإذا أحضر إحضارا مع الشبه استطرف لمشاهدة عناق بين صورتين لا تتراءى ناراهما، وهل الحكاية المعروفة في حديث حسد جرير لعدي بن الرقاع إلا لعين ما نحن فيه. يحكى أن جريرا قال أنشدني عدي
عرف الديار توهما فاعتادها
فلما بلغ على قوله
تزجى أغن كأن إبرة روقه
رحمته، وقلت قد وقع ما عساه يقول وهو أعرابي جلف جاف فلما قال
قلم أصاب من الدواة مدادها ... استحالت الرحمة حسدا.
وأما الغرض العائد على المشبه به فمرجعه على إيهام كونه أتم من المشبه في وجه التشبيه كقوله:
وبدا الصباح كأن غرته ... وجه الخليفة حين يمتدح
فإنه تعمد إيهام أن وجه الخليفة في الوضوح أتم من الصباح وكقوله:
وكأن النجوم بين دجاها ... سنن لاح بينهن ابتداع
فإنه حين رأى ذوي الصياغة للمعاني شبهوا الهدى والشريعة والسنن وكل ما هو علم بالنور لجعل صاحبها في حكم من يمشي في نور الشمس فيهتدي على الطريق المعبد فلا يتعسف فيعثر تارة على عدو قتال ويتردى أخرى في مهواة مهلكة وشبهوا الضلالة والبدعة وكل ما هو جهل بالظلمة لجعل صاحبها في حكم من يخبط في الظلماء فلا يهتدي على الطريق فلا يزال بين عثور وبين ترد قصد في تشبيه هذا تفضيل السنن في الوضوح على النجوم وتنزيل البدع في الإظلام فوق الدياجي، وكقوله:
ولقد ذكرتك والظلام كأنه ... يوم النوى وفؤاد من لم يعشق
فإنه أيضا حين رأى الأوقات التي تحدث فيها المكاره وصفت بالسواد كقولهم: اسود النهار في عيني وأظلمت الدنيا علي جعل يوم النوى كأنه أعرف وأشهر بالسواد من الظلام فشبهه به ثم عطف عليه فؤاد من لم يعشق تطرفا فإن الغزل يدعى القسوة من لا يعرف العشق والقلب القاسي يوصف بشدة السواد فنظمه في سلكه وكقوله:
كأن انتصار البدر من تحت غيمه ... نجاء من البأساء بعد وقوع