النوع الثاني النظر في وجه التشبيه. لما انحصر التشبيه بين أن يكون الاشتراك بالحقيقة والافتراق بالصفة تارة مثل جسمين أبيض وأسود وكذا مثل أنف ومرسن فهما مشتركان في الحقيقة وهو العضو المعلوم، وإنما يفترقان باتصاف أحدهما بالاختصاص بالإنسان واتصاف الآخر بالاختصاص بالمرسونات وما جرى مجراهما من نحو شفة وجحفلة ورجل وحافر وبين أن يكون الاشتراك بالصفة تارة والافتراق بالحقيقة أخرى مثل طويلين جسم وخط والوصف حين انحصر بين أن يكون مستندا على الحس كالكيفيات الجسمانية مثل الاتصاف بما يدرك بالبصر من الألوان والأشكال والمقادير والحركات، وما يتصل بها من الحسن والقبح وغير ذلك أو بما يدرك بالسمع من الأصوات الضعيفة أو القوية أو التي بين بين أو بما يدرك بالذوق من أنواع الطعوم أو بما يدرك بالشم من أنواع الروائح أو بما يدرك باللمس من الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة والخشونة والملاسة واللين والصلابة ومن الخفة والثقل، وما ينضاف إليها وبين أن يكون مستندا على العقل والعقلي أيضا لما انحصر بين حقيقي كالكيفيات النفسانية مثل الاتصاف بالذكاء والتيقظ والمعرفة والعلم والقدرة والكرم والسخاء والحلم والغضب وما جرى مجراها من الغرائز والأخلاق وبين اعتباري ونسبي كاتصاف الشيء بكونه مطلوب الوجود أو العدم عند النفس أو بكونه مطموعا فيه أو بعيدا عن الطمع أو بشيء تصوري وهمي محض ومن المعلوم عندك أن الحقائق منقسمة على بسائط وذوات أجزاء مختلفة وأن في الصفات ما مرجعها أمر واحد وما مرجعها أكثر ظهر لك مما ذكر أن وجه التشبيه يحتمل أن يتفاوت فنقول وبالله التوفيق: وجه التشبيه إما أن يكون أمرا واحدا أو غير واحد وغير الواحد إما أن يكون في حكم الواحد لكونه إما حقيقة ملتئمة، وإما أوصافا مقصودا من مجموعها على هيئة واحدة أو لا يكون في حكم الواحد فهذه أقسام ثلاثة. أما الأول فإما أن يكون حسيا أو عقليا ولا بد للحسي من أن يكون طرفاه حسيين لامتناع إدراك الحس من غير المحسوس جهة دون العقلي فإنه يعم أنواع الطرفين الأربعة المذكورة لصحة إدراك العقل من المحسوس جهة ولذلك تسمع علماء هذا الفن رضوان الله عليهم أجمعين يقولون التشبيه بالوجه العقلي أعم من التشبيه بالوجه الحسي فالحسي كالخد إذا شبه بالورد في الحمرة وكالصوت الضعيف إذا شبه بالهمس في الخفاء وكالنكهة إذا شبهت بالعنبر في طيب الرائحة وكالريق إذا شبه بالخمر في لذة الطعم على زعم القوم وكالجلد الناعم إذا شبه بالحرير في لين المس. وههنا نكتة لا بد من التنبيه لها وهي أن التحقيق في وجه الشبه يأبى أن يكون غير عقلي وذلك أنه متى كان حسيا وقد عرفت أنه يجب أن يكون موحودا في الطرفين وكل موجود فله تعين فوجه الشبه مع المشبه متعين فيمتنع أن يكون هو بعينه موحودا مع المشبه به لامتناع حصول المحسوس المعين ههنا مع كونه بعينه هناك بحكم ضرورة العقل وبحكم التنبيه على امتناعه إن شئت وهو استلزامه إذا عدمت حمرة الخد دون حمرة الورد أو بالعكس كون الحمرة معدومة موجودة معا وهكذا في أخواتها بل يكون مثله مع المشبه به لكن المثلين لا يكونان شيئا واحدا ووجه الشبه بين الطرفين كما عرفت واحد فيلزم أن يكون أمرا كليا مأخوذا من المثلين بتجريدهما عن التعين لكن ما هذا شأنه فهو عقلي ويمتنع أن يقال فالمراد بوجه الشبه حصول المثلين في الطرفين فإن المثلين متشابهان فمعهما وجه تشبيه فإن كان عقليا كان المرجع في وجه الشبه العقل في المآل، وإن كان حسيا استلزم أن يكون مع المثلين مثلان آخران وكان الكلام فيهما كالكلام فيما سواهما ويلزم التسلسل وتمام التحقيق موضعه علوم أخر، والعقلي كوجود الشيء العديم النفع إذا شبه بعدمه في العراء عن الفائدة أو كالعلم إذا شبه بالحياة في كونهما جهتي إدراك فيما طرفاه معقولان وكالرجل إذا شبه بالأسد في الجراءة وكأصحاب النبي عليه السلام ورضي الله عنهم إذا شبهوا بالنجوم في مطلق الاهتداء بذلك فيما طرفاه محسوسان وكالعلم إذا شبه بالنور في الهداية أو كالعدل إذا شبه بالقسطاس في تحصيل ما بين الزيادة والنقصان فيما المشبه معقول والمشبه به محسوس وكالعطر إذا شبه بخلق كريم في استطابة النفس إياهما أو كالنجوم إذا شبهت بالسنن في عدم الخفاء فيما المشبه محسوس والمشبه به معقول وفي أكثر هذه
مفتاح العلوم · الصفحة ١٤٩
النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.
مفتاح العلومص ١٤٩
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي