والخوض فيه يستدعي تمهيد قاعدة وهي أن محاولة إيراد المعنى الواحد بطرق مختلفة بالزيادة في وضوح الدلالة عليه والنقصان بالدلالات الوضعية غير ممكن فإنك إذا أردت تشبيه الخد بالورد في الحمرة مثلا وقلت خد يشبه الورد امتنع أن يكون كلام مؤد لهذا المعنى بالدلالات الوضعية أكمل منه في الوضوح أو أنقص فإنك إذا أقمت مقام كل كلمة منها ما يرادفها فالسامع إن كان عالما بكونها موضوعة لتلك المفهومات كان فهمه منها كفهمه من تلك من غير تفاوت في الوضوح وإلا لم يفهم شيئا أصلا وإنما يمكن ذلك في الدلالات العقلية مثل أن يكون لشيء تعلق بآخر ولثان ولثالث فإذا أريد التوصل بواحد منها على المتعلق به فمتى تفاوتت تلك الثلاثة في وضوح التعلق وخفائه صح في طريق إفادته الوضوح والخفاء، وإذا عرفت هذا عرفت أن صاحب علم البيان له فضل احتياج على التعرض لأنواع دلالات الكلم فنقول: لا شبهة في أن اللفظة متى كانت موضوعة لمفهوم أمكن أن تدل عليه من غير زيادة ولا نقصان بحكم الوضع، وتسمى هذه دلالة المطابقة ودلالة وضعية ومتى كان لمفهومها ذلك ولنسمه أصليا تعلق بمفهوم آخر أمكن أن تدل عليه بوساطة ذلك التعلق بحكم العقل سواء كان ذلك المفهوم الآخر داخلا في مفهومها الأصلي كالسقف مثلا في مفهوم البيت ويسمى هذا دلالة التضمن ودلالة عقلية أيضا أو خارجا عنه كالحائط عن مفهوم السقف وتسمى هذه دلالة الالتزام ودلالة عقلية أيضا ولا يحب في ذلك التعلق أن يكون مما يثبته العقل بل إن كان مما يثبته اعتقاد المخاطب إما لعرف أو لغير عرف أمكن المتكلم أن يطمع من مخاطبه ذلك في صحة أن ينتقل ذهنه من المفهوم الأصلي على الآخر بواسطة ذلك التعلق بينهما في اعتقاده، وإذا عرفت أن إيراد المعنى الواحد على صور مختلفة لا يتأتى إلا في الدلالات العقلية وهي الانتقال من معنى على معنى بسبب علاقة بينهما كلزوم أحدهما الآخر بوجه من الوجوه ظهر لك أن علم البيان مرجعه اعتبار الملازمات بين المعاني، ثم إذا عرفت أن اللزوم إذا تصور بين الشيئين فإما أن يكون من الجانبين كالذي بين الأمام والخلف بحكم العقل أو بين طول القامة وبين طول النجاد بحكم الاعتقاد أو من جانب واحد كالذي بين العلم والحياة بحكم العقل أو بين الأسد والجراءة بحكم الاعتقاد ظهر لك أن مرجع علم البيان اعتبار هاتين الجهتين جهة الانتقال من ملزوم على لازم وجهة الانتقال من لازم على ملزوم ولا يربك بظاهره الانتقال من أحد لازمي الشيء على الآخر مثل ما إذا انتقل من بياض الثلج على البرودة فمرجعه ما ذكر ينتقل من البياض على الثلج ثم من الثلج على البرودة فتأمل، وإذا ظهر لك أن مرجع علم البيان هاتان الجهتان علمت انصباب علم البيان على التعرض للمجاز والكناية فإن المجاز ينتقل فيه من الملزوم على اللازم كما تقول رعينا غيثا، والمراد لازمه وهو النبت، وقد سبق أن اللزوم لا يجب أن يكون عقليا بل إن كان اعتقاديا إما لعرف أو لغير عرف صح البناء عليه. وأما نحو قولك أمطرت السماء نباتا: أي غيثا من المجازات المنتقل فيها عن اللازم على الملزوم فمنخرط في سلك رعينا الغيث وفصل ترجيح المجاز على الحقيقة والكناية على التصريح إذا انتهينا إليه يطلعك على كيفية انخراطه في سلكه بإذن الله تعالى، والمطلوب بهذا التكلف هو الضبط فاعلم وأن الكناية ينتقل فيها من اللازم على الملزوم كما تقول فلان طويل النجاد، والمراد طول القامة الذي هو ملزوم طول النجاد فلا يصار على جعل النجاد طويلا أو قصيرا إلا لكون القامة طويلة أو قصيرة فلا علينا أن نتخذهما أصلين وإذ لا يخفى أن طريق الانتقال من الملزوم على اللازم طريق واضح بنفسه ووضوح طريق الانتقال من اللازم على الملزوم إنما هو بالغير وهو العلم بكون اللازم مساويا للملزوم أو أخص منه فلا عتب في تأخير الكناية لكونها بالنظر على هذه الجهة نازلة من المجاز منزلة المركب من المفرد، ثم إن من المجاز أعني الاستعارة من حيث أنها من فروع التشبيه كما ستقف عليه لا تتحقق بمجرد حصول الانتقال من الملزوم على اللازم بل لا بد فيها من تقدمة تشبيه شيء بذلك الملزوم في لازم له تستدعي تقديم التعرض للتشبيه فلا بد من أن نأخذه أصلا ثالثا ونقدمه فهو الذي إذا مهرت فيه ملكت زمام التدرب في فنون السحر البياني.
مفتاح العلوم · الصفحة ١٤٧
النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.
مفتاح العلومص ١٤٧
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي