تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

واعلم ان هذه الكلمات كثيرا ما يتولد منها أمثال ما سبق من المعاني بمعونة قرائن الأحوال فيقال ما هذا ومن هذا لمجرد الاستخفاف والتحقير ومالي للتعجب. قال تعالى حكاية عن سليمان " مالي لا أرى الهدهد " وأي رجل هو للتعجب وأيما رجل وكم دعوتك للاستبطاء وكم تدعوني للإنكار وكم أحلم للتهديد وكيف تؤذي أباك للإنكار والتعجب والتوبيخ، وعليه قوله تعالى " كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم " بمعنى التعجب، ووجه تحقيق ذلك هو أن الكفار في حين صدور الكفر منهم لا بد من أن يكونوا على إحدى الحالين إما عالمين بالله وإما جاهلين به فلا ثالثة فإذا قيل لهم كيف تكفرون بالله وقد علمت أن كيف للسؤال عن الحال وللكفر مزيد اختصاص بالعلم بالصانع وبالجهل به انساق على ذلك فأفاد أفي حال العلم بالله تكفرون أم في حال الجهل به ثم إذا قيد كيف تكفرون بالله بقوله " وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم " وصار المعنى كيف تكفرون بالله والحال حال علم بهذه القصة، وهي إن كنتم أمواتا فصرتم أحياء وسيكون كذا وكذا صير الكفر أبعد شيء عن العاقل فصار وجوده منه مظنة التعجب، ووجه بعده هو أن هذه الحالة تأبى أن لا يكون للعاقل علم بأن له صانعا قادرا عالما حيا سميعا بصيرا موحودا غنيا في جميع ذلك عن سواه، قديما غير جسم ولا عرض، حكيما خالقا منعما مكلفا، مرسلا للرسل باعثا مثيبا معاقبا، وعلمه بأن له هذا الصانع يأبى أن يكفر، وصدور الفعل عن القادر مع الصارف القوي مظنة تعجب و تعجيب وإنكارا وتوبيخ فصح أن يكون قوله تعالى " كيف تكفرون " على آخر الآية تعجبا وتعجيبا وإنكارا وتوبيخا، وكذلك يقال أين مغيثك للتوبيخ والتقريع والإنكار حال تذليل المخاطب. قال تعالى " أين شركائي الذين كنتم تزعمون " توبيخا للمخاطبين وتقريعا لهم لكونه سؤالا في وقت الحاجة على الإغاثة عمن كان يدعى له أنه يغيث، وقال " فأين تذهبون " للتنبيه على الضلال ويقال أنى تعتمد على خائن للتعجب والتعجيب والإنكار، قال الله تعالى " فأنى تؤفكون " إنكارا وتوبيخا، وقال " أنى لهم الذكرى وقد جاءهم رسول مبين " استبعا دا لذكراه، ويقال متى قلت هذا للجحد والإنكار ومتى تصلح شأني للاستبطاء وقد عرفت الطريق فراجع نفسك وإذا سلكتها فاسلكها عن كمال التيقظ لما لقنت فلا تجوز بعد ما عرفت أن التقديم يستدعي العلم بحال نفس الفعل وقوعا أو غير وقوع أ ضربت سائلا عن حال وقوع الضرب ولا أأنت ضربت بنية التقديم ولا ترض أ ضربت أم غيره وأأنت ضربت أم غيرك وإن أردت بالاستفهام التقرير فاحذ على مثال الإثبات فقل حال تقرير الفعل أضربت أو أتضرب وقل حال تقرير أنه الضارب دون عمرو أأنت ضربت كما قال تعالى " أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم " أو أن مضروبه أضربت وإن أردت به الإنكار فانسجه على منوال النفي فقل في إنكار نفس الضرب أضربت أو قل أ أو قل أ ضربت أم عمرا فإنك إذا أنكرت من يردد الضرب بينهما تولد منه إنكار الضرب على وجه برهاني، ومنه قوله تعالى " قل آلذكرين حرم أم الأنثيين " وفي إنكار أنه الضارب أأنت ضربت وفي إنكار أن مضروبه أ ضربت كما قال تعالى " قل أغير الله أتخذ وليا " وقال " أغير الله تدعون " ومنه أيضا قوله تعالى أبشرا منا واحدا نتبعه " فتذكر ولا تغفل عن التفاوت بين الإنكار للتوبيخ على معنى لم كان أو لم يكون كقولك أعصيت ربك أو أتعصي ربك وبين الإنكار للتكذيب على معنى لم يكن أو لا يكون كقوله تعالى " أفأصفاكم ربكم بالبنين " وقوله " أصطفى البنات على البنين " وقوله " أنلزمكموها " وإياك أن يزل عن خاطرك التفصيل الذي سبق في نحو أنا ضربت وأنت ضربت وهو ضرب من احتمال الابتداء واحتمال التقديم وتفاوت المعنى في الوجهين فلا تحمل نحو قوله تعالى " آلله أذن لكم " على التقديم فليس المراد أن الإذن ينكر من الله دون غيره ولكن احمله على الابتداء مرادا منه تقوية حكم الإنكار، وانظم في هذا السلك قوله تعالى " أفأنت تكره الناس " وقوله تعالى " أفأنت تسمع الصم أو تهدى العمى " وقوله " أهم يقسمون رحمة ربك " وما جرى مجراه. وإذ قد عرفت أن هذه الكلمات للاستفهام وعرفت أن الاستفهام طلب وليس بخفي أن الطلب إنما يكون لما يهمك ويعنيك شأنه لا لما وجوده وعدمه عندك بمنزلة، وقد سبق أن كون الشيء مهما جهة مستدعية لتقديمه في الكلام فلا

مفتاح العلوم · الصفحة ١٤١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مفتاح العلومص ١٤١