ورابعها التقديم كما تقول في قصر الوصوف على الصفة تميمي أنا قصر إفراد لمن يرددك بين قيس وتميم، أو قصر قلب لمن ينفيك عن تميم ويلحقك بقيس وكذا قائم هو أو قاعد هو بالاعتبارين بحسب المقام في قصر الصفة على الموصوف إفرادا أنا كفيت مهمك بمعنى وحدي لمن يعتقد أنك و كفيتماه مهمه، وقلبا أنا كفيت مهمك بمعنى لا غيري لمن يعتقد كافي مهمه غيرك وكذا ضربت أو ما ضربت بالاعتبارين على ما تضمن ذلك فصل التقديم، وهذه الطرق تتفق من وجه وهو أن المخاطبة معها يلزم أن يكون حاكما حكما مشوبا بصواب وخطأ وأنت تطلب بها تحقيق صوابه ونفي خطئه تحقق في قصر القلب كون الموصوف على أحد الوصفين أو كون الوصف لأحد الموصوفين وهو صوابه وتنفي تعيين حكمه وهو خطؤه وتحقق في قصر الإفراد حكمه في بعض وهو صوابه وتنفيه عن البعض وهو خطؤه ويختلف من وجوه فالطرق الأول الثلاث دلالتها على التخيص بوساطة الوضع وجزم العقل ودلالة التقديم عليه بوساطة الفحوى وحكم الذوق، والطريق الأول الأصل فيه التعرض للمثبت وللمنفي بالنص كما ترى في قولك زيد شاعر لا منجم في قصر الموصوف على الصفة وزيد شاعر لا عمرو في قصر الصفة على الموصوف لا تترك النص البتة إلا حيث يورث تطويلا ويكون المقام اختصاريا كما إذا قال المخاطب زيد يعلم الاشتقاق والصرف والنحو والعروض وعلم القافية وعلم المعاني وعلم البيان فتقول زيد يعلم الاشتقاق لا غير أو ليس غير أو ليس إلا أو كما إذا قال زيد يعلم النحو وعمرو وبكر وخالد وفلان وفلان فتقول زيد يعلم النحو لا غير، والطرق الأخيرة الأصل فيها النص مما يثبت دون ما ينفي كما ترى في قولك ما أنا لا تميمي وإنما أنا تميمي وتميمي أنا في قصر الموصوف على الصفة وفي قصر الصفة على الموصوف ما يجيء إلا زيد وإنما يجيء وهو يجيء، والطريق الأول لا يجامع الثاني فلا يصح ما زيد إلا قائم لا قاعد ولا ما يقوم إلا زيد لا عمرو، والسبب في ذلك هو أن لا العاطفة من شرط منفيها أن لا يكون منفيا قبلها بغيرها من كلمات النفي نحو: جاءني زيد لا عمرو، ونحو زيد قائم لا قاعد أو متحرك لا ساكن أو موجود لا معدوم ويمتنع تحقق شرطها هذا في منفيها إذا قلت ما يقوم إلا زيد لا عمرو وما زيد إلا قائم لا قاعد والذي سبق في تحقيق وجه القصر في النفي والاستثناء يكشف لك الغطاء ويجامع الطريقين الأخيرين فيقال إنما أنا تميمي لا قيسي وتميمي أنا لا قيسي وإنما يأتيني زيد لا عمرو وهو يأتيني لا عمرو، وجه صحة مجامعة لا العاطفة إنما مع امتناع مجامعتها ما وإلا عين وجه صحة أن يقال امتنع عن المجيء زيد لا عمرو مع امتناع أن يقال ما جاء زيد لا عمرو وهو كون معنى النفي في إنما وفي قولك امتنع عن المجيء ضمنا لا صريحا لكن إذا جامعت لا العاطفة إنما جامعتها بشرط وهو أن لا يكون الوصف بعد إنما مما له في نفسه اختصاص بالموصوف المذكور كقوله عز اسمه " إنما يستجيب الذين يسمعون " فإن كل عاقل يعلم أنه لا يكون استجابة إلا ممن يسمع ويعقل وقوله " إنما أنت منذر من يخشاها " فلا يخفى على أحد ممن به مسكة أن الإنذار إنما يكون إنذارا ويكون له تأثير إذا كان مع من يؤمن بالله وبالبعث والقيامة وأهوالها ويخشى عقابها، وقولهم إنما يعجل من يخشى الفوت فمركوز في العقول أن من لم يخش الفوت لم يعجل، وإذا كان له اختصاص لم يصح فيه استعمال لا العاطفة فلا تقل إنما يعجل من يخشى الفوت لا من يأمنه، وطريق النفي والاستثناء يسلك مع مخاطب تعتقد فيه أنه مخطئ وتراه يصر كما إذا رفع لكم شبح من بعيد لم تقل ما ذاك إلا زيد لصاحبك إلا وهو يتوهمه غير زيد ويصر على إنكار أن يكون إياه وما قال الكفار للرسل إن أنتم إلا بشر مثلنا إلا والرسل عندهم في معرض المنتفي عن البشرية والمنسلخ عنه حكمها بناء على جهلهم أن الرسول يمتنع أن يكون بشرا أو ما تسمع في موضع آخر كيف تجد ما يحكى عنهم هناك يرشح بما يتلوث به صماخك من تقرير جهلهم هذا، وهو " ما أنتم إلا بشر مثلنا وما أنزل الرحمن من شيء إن أنتم إلا تكذبون " وما أعجب شأن المشركين ما رضوا للنبي صلى الله عليه وسلم أن يكون بشرا ورضوا للإله أن يكون حجرا. وأما قول الرسل لهم إن نحن إلا بشر مثلكم فمن باب المجاراة وإرخاء العنان مع الخصم ليعثر حيث يراد تبكيته كما قد يقول من يخالفك فيما ادعيت أنك من شأنك
مفتاح العلوم · الصفحة ١٣١
النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.
مفتاح العلومص ١٣١
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي