واعلم أن باب التمييز كله سواء كان عن مفرد أو عن جملة باب مزال عن أصله لتوخي الإجمال والتفصيل، ألا تراك تجد الأمثلة الواردة من نحو عندي منوان سمنا وعشرون درهما وملء الإناء عسلا وطاب زيد نفسا وطار عمرو فرحا وامتلأ الإناء ماء منادية على أن الأصل عندي سمن منوان ودراهم عشرون وعسل ملء الإناء وطاب نفس زيد وطير الفرح عمرا وملأ الماء الإناء، ولمصادفة الإجمال والتفصيل الموقع فيما يحكيه جل وعلا عن زكريا عليه الصلاة والسلام من قوله " واشتعل الرأس شيبا " في مقام المباثة وحين التلقي لتوابع انقراض الشباب ترى ما ترى من مزيد الحسن وفي هذه الجملة وفيما قبلها من " رب إني وهن العظم مني " لطائف وأية كلمة في القرآن فضلا عن جملة فضلا عما تجاوز لا يحتوي على لطائف ولأمر ما تلي على من كانوا النهاية في فصاحة البشر وبلاغة أهل الوبر منهم والمدر " وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله " فما أحاروا ببنت شفة ولا صدروا هنالك عن موصوف ولا صفة، على أنهم كانوا الحراص على التسابق في رهان المفاخر، والمتهالكين على ركوب الشطط في امتهان المفاخر، تأبى لهم العصبية أن لا يرد عضب مفاخرهم كهاما، وأن لا يعد صيب ممطراته جهاما، والكلام في تلك اللطائف مفتقر على أخذ أصل معنى الكلام ومرتبته الأولى، ثم النظر في التفاوت بين ذلك وبين ما عليه نظم القرآن وفي كم درجة يتصل أحد الطرفين بالآخر، فنقول: لا شبهة أن أصل معنى الكلام ومرتبته الأولى يا ربي قد شخت فإن الشيخوخة مشتملة على ضعف البدن وشيب الرأس المتعرض لهما، ثم تركت هذه المرتبة لتوخي مزيد التقرير على تفصيلها في ضعف بدني وشاب رأسي، ثم تركت هذه المرتبة الثانية لاشتمالها على التصريح على ثالثة أبلغ وهي الكناية في وهنت عظام بدني لما ستعرف أن الكناية أبلغ من التصريح، ثم لقصد مرتبته رابعة أبلغ في التقرير بنيت الكناية على المبتدأ فحصل أنا وهنت عظام بدني ثم لقصد خامسة أبلغ أدخلت إن على المبتدأ فحصل إني وهنت عظام بدني، ثم لطلب تقرير أن الواهن هي عظام بدنه قصدت مرتبة سادسة وفي سلوك طريقي الإجمال والتفصيل فحصل أني وهنت العظام من بدني، والذي سبق في تقرير معنى الإجمال والتفصيل في " رب اشرح لي صدري " ينبه عليه ههنا، ثم لطلب مزيد اختصاص العظام به قصدت مرتبة سابعة وهي ترك توسيط البدن فحصل إني وهنت العظام مني، ثم لطلب شمول الوهن العظام فردا فردا قصدت مرتبة ثامنة، وهي ترك جمع العظم على الإفراد لصحة حصول وهن المجموع بالبعض دون كل فرد فرد فحصل ما ترى وهو الذي في الآية " إني وهن العظم مني " وهكذا تركت الحقيقة في شاب رأسي على أبلغ وهي الاستعارة فسيأتيك أن الاستعارة أبلغ من الحقيقة فحصل اشتعل شيب رأسي، ثم تركت على أبلغ وهي اشتعل رأسي شيبا، وكونها أبلغ من جهات إحداها إسناد الاشتعال على الرأس لإفادة شمول الاشتعال الرأس إذ وزان اشتعل شيب رأسي واشتعل رأسي شيبا وزان اشتعل النار في بيتي واشتعل بيتي نارا والفرق نير، وثانيتها الإجمال والتفصيل في طريق التمييز، وثالثتها تنكير شيبا لإفادة المبالغة، ثم ترك اشتعل رأسي شيبا لتوخي مزيد التقرير على اشتعل الرأس مني شيبا على نحو: وهن العظم مني ثم ترك لفظ مني لقرينة عطف واشتعل الرأس على وهن العظم مني لمزية مزيد التقرير وهي إيهام حوالة تأدية مفهومه على العقل دون اللفظ.
مفتاح العلوم · الصفحة ١٢٧
النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.
مفتاح العلومص ١٢٧
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي