وأما الحالات المقتضية لتقييد الفعل بالشروط المختلفة كان وأن ما وإذا وإذاما ومتى ومتىما وأين وأينما وحيثما ومن وما ومهما وأي وأنى وكلو فالذي يكشف عنها القناع وقوفك على ما بين هذه الكلم من التفاصيل. أما أن فهي للشرط في الاستقبال والأصل فيها الخلو عن الجزم بوقوع الشرط كما يقول القائل: إن تكرمني أكرمك وهو لا يعلم أتكرمه أم لا، فإذا استعملت في مقام الجزم لم تخل عن نكتة وهي أما التجاهل لاستدعاء المقام إياه، وإما أن المخاطب ليس بجازم كما تقول لمن يكذبك فيما أنت تخبره أن صدقت فقل لي ماذا تعمل، وإما تنزيل المخاطب منزلة الجاهل لعدم جريه على موجب العلم كما يقول الأب لابن لا يراعي حقه افعل ما شئت إني إن لم أكن لك أبا كيف تراعي حقي ولامتناع الجزم بتحقيق المعلق بما في تحققه شبهة قلما يترك المضارع في بليغ الكلام على الماضي المؤذن بالتحقق نظرا على لفظه لغير نكتة مثل ما ترى في قوله علت كلمته " إن يثقفوكم يكونوا لكم أعداء ويبسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم بالسوء وودوا لو تكفرون " ترك يودوا على لفظ الماضي إذ لم تكن تحتمل ودادتهم لكفرهم من الشبهة ما كان يحتملها كونهم إن يثقفوهم أعداء لهم وباسطي الأيدي والألسنة إليهم للقتل والشتم. وإذا للشرط في الاستقبال قال الله تعالى " ثم إذا أذاقهم منه رحمة إذا فريق منهم بربهم يشركون " على نحو " وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم إذا هم يقنطون " بإدخال إذا في الجزاء والأصل فيها القطع بوقوع الشرط كما إذا قلت إذا طلعت الشمس فإني أفعل كذا قطعا إما تحقيقا كما في المثال المضروب أو باعتبار ما خطابي وهو النكتة في تغليب لفظ الماضي معه على المستقبل فلي الاستعمال لكون الماضي أقرب على القطع من المستقبل في الجملة نظرا على اللفظ. قال تعالى فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه " بلفظ إذا في جانب الحسنة حيث أريدت الحسنة المطلقة لا نوع منها كما في قوله تعالى " وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله " وفي قوله تعالى " ولئن أصابكم فضل من الله ليقولن " لكون حصول الحسنة المطلقة مقطوعا به كثرة وقوع واتساعا ولذلك عرفت ذهابا على كونها معهودة أو تعريف جنس، والأول أفضى لحق البلاغة وبلفظ إن في جانب السيئة مع تنكير السيئة، إذ لا تقع إلا في الندرة بالنسبة على الحسنة المطلقة ولا يقع إلا شيء منها ولذلك قيل قد عددت أيام البلاء فهل عددت أيام الرخاء، ومنه " وإذا أذقنا الناس رحمة فرحوا بها وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم إذا هم يقنطون " بلفظ إذا في جانب الرحمة وكأن تنكيرها وقصد النوع للنظر على لفظ الإذاقة فهو المطابق للبلاغة، وأما قوله " وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا " وإن كنتم في ريب من البعث بلفظ إن مع المرتابين فإما لقصد التوبيخ على الريبة لاشتمال المقام على ما يقلعها عن أصلها وتصوير أن المقام لا يصلح إلا لمجرد الفرض للارتياب كما قد تفرض المجالات متى تعلقت بفرضها أغراض كقوله تعالى " ولو سمعوا ما استجابوا لكم " والضمير في سمعوا للأصنام ويتأبى أن يقال وإذا رتبتم، ومثله " أفنضرب عنكم الذكر صفحا إن كنتم قوما مسرفين " فيمن قرأ إن لقصد التوبيخ والتجهيل في ارتكاب الإسراف وتصوير أن الإسراف من العاقل في مثل هذا المقام واجب الانتفاء حقيق أن لا يكون ثبوته إلا على مجرد الفرض ومنه ما قد يقول العامل عند التقاضي بالعمالة إذا امتد التسويف وأخذ يترجم عن الحرمان إن كنت لم أعمل فقولوا اقطع الطمع فنزلهم لنوهم أن يحرموه منزلة من لا يعتقد أنه عمل فيقول مجهلا: أن اعتقد تم أني لم أعمل فقولوا ويلكم، وأما لتغيب غير المرتابين ممن خوطبوا على مرتابيهم وباب التغليب باب واسع يجري في كل فن. قال تعالى حكاية عن قوم شعيب " لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا " أدخل شعيب في لتعودن في ملتنا بحكم التغليب وإلا فما كان شعيب في ملتهم كافرا مثلهم فإن الأنبياء معصومون أن يقع منهم صغيرة فيها نوع نفرة فما بال الكفر وكذا قوله " إن عدنا في ملتهم " وقال تعالى " إلا امرأته كانت من الغابرين " وفي موضع أخر " وكانت من القانتين عدت الأنثى من الذكور بحكم التغلب. وقال تعالى " وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس " عد إبليس من الملائكة بحكم
مفتاح العلوم · الصفحة ١٠٥
النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.
مفتاح العلومص ١٠٥
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي