تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأما الحالة المقتضية لكونه مظهرا فهي كون المقام غير ما ذكر أو كونه مستدعيا زيادة التعيين والتمييز كقولك: جاءني رجل فقال الرجل كذا أو مستدعيا للالتفات كقول الخلفاء يرسم أمير المؤمنين كذا مكان ارسم كذا.

وأما اعتبار التقديم والتأخير مع الفعل فعلى ثلاثة أنواع أحدها أن يقع بين الفعل وبين ما هو فاعل له معنى كنحو أنا عرفت وأنت عرفت وهو عرف دون زيد عرف وثانيها أن يقع ينبه وبين غير ذلك كنحو عرفت ودرهما أعطيت وعمرا منطلقا علمت وثالثها أن يقع بين ما يتصل به كنحو عرف زيد عمرا وعرف عمرا زيد وعلمت منطلقا وعلمت منطلقا وكسوت عمرا جبة وجبة عمرا ولكل منها حالة تقتضيه فالحالة المقتضية للنوع الأول هي أن يكون هناك وجود فعل وعالم به لكنه مخطئ في فاعله أو تفصيله وأنت تقصد أن ترده على الصواب كما تقول أنا سعيت في حاجتك أنا كفيت مهمك تريد دعوى الانفراد بذلك وتقريرا للاستبداد وترد بذلك على من زعم أن ذلك كان من غيرك أو غيرك فعل فيه ما فعلت ولذلك التأكيد قلت للزاعم في الوجه الأول أنا كفيت مهمك لا عمرو أو لا غيري وفي الوجه الثاني أنا كفيت مهمك وحدي وقولهم في المثل أتعلمني بضب أنا حرشته شاهد صدق على ما ذكر عند من له ذوق وليس إذا قلت سعيت في حاجتك أو سعيت أنا في حاجتك يجب أن يكون أن عند السامع وجود سعى في حاجته قد وقع خطأ منه في موجده أو تفصيله فتقصد إزالة الخطأ بل إذا قلته ابتداء مفيدا أو وجود السعي في حاجته منك غير مشوب بتجوز أو سهو أو نسيان صح ومنه ما يحكيه علت كلمته عن قوم شعيب وما أنت علينا بعزيز: أي العزيز علينا يا شعيب رهطك لا أنت لكونهم من أهل ديننا، ولذلك قال عليه السلام في جوابهم " أرهطي أعز عليكم من الله " أي من نبي الله ولو أنهم كانوا قالوا وما عززت علينا لم يصح هذا الجواب ولا طابق ولذلك ينهى أن يقال في النفي عند التقديم ما أنا سعيت في حاجتك ولا أحد سواي لاستلزام أن يكون سعى في حاجته غيرك لا أنت وأن لا يكون سعى في حاجته غيرك ولا أنت ولا ينهى أن يقال ما سعيت في حاجتك ولا أحد غيري وكذلك إذا أكدت فقلت ما سعيت أنا في حاجتك ولا أحد غيري ولذلك أيضا يستهجن أن يقال في النفي عند التقديم ما أنا رأيت أحدا من الناس لاستلزام أن يكون قد اعتقد فيك معتقد أنك رأيت كل أحد في الدنيا فنفيت أن تكون إياه ولم يستهجن أن يقال ما رأيت أحدا من الناس أو ما رأيت أنا أحدا من الناس ويحترز عن أن يقال عند التقديم ما أنا ضربت إلا لأن نقض النفي بإلا يقتضي أن تكون ضربت وتقديمك ضميرك وإيلاؤه حرف النفي يقتضي نفي أن تكون ضربته ولا يحترز أن يقال ما ضربت إلا وما ضربت أنا إلا زيدا. وأما الحالة المقتضية للنوع الثاني أن يكون هناك من اعتقد أنك عرفت إنسانا وأصاب لكن أخطأ فاعتقد ذلك الإنسان غير زيد وأنت تقصد رده على الصواب فنقول عرفت وإذا قصدت التأكيد والتقرير قلت عرفت لا غيره ولذلك نهوا أن يقال ما ضربت ولا أحدا من الناس نهيهم أن يقال ما أنا ضربت ولا أحد غيري والنهي الواقع مقصور على الحالة المذكورة أما إذا ظن بك القائل ظنا فاسدا أنك تعتقده قد ضرب عمرا أو أنك تعتقد كون زيد مضروبا لغيره ثم قال لك مدعيا في الصورة الأولى ضربت وفي الثانية أنا ضربت فيصح منك أن تقول ما ضربت ولا أحدا من الناس أو ما أنت ضربت ولا أحد غيرك فتأمل فالفرق واضح وكذلك امتنعوا أن يقال ما ضربت ولكن أكرمته فتعقب الفعل المنفي بإثبات فعل هو ضده لأن مبني الكلام ليس على أن الخطأ وقع في الضرب فيرد على الصواب في الإكرام وإنما مبناه على أن الخطأ وقع في المضروب حين اعتقد فترده على الصواب أن تقول ولكن عمرا وكذلك إذا قلت بزيد مررت أفاد أن سامعك كان يعتقد مرورك بغير زيد فأزلت عنه الخطأ مخصصا مرورك بزيد دون غيره والتخصيص لازم للتقديم ولذلك تسمع أئمة علم المعاني في معنى " إياك نعبد وإياك نستعين " يقولون نخصك بالعبادة لا نعبد غيرك ونخصك بالاستعانة منك لا نستعين أحدا سواك، وفي معنى إن كنتم إياه تعبدون يقولون إن كنتم تخصونه بالعبادة

مفتاح العلوم · الصفحة ١٠١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مفتاح العلومص ١٠١