ولهذا كان الشاعر يدقق في لغته؛ بوصفها أداته التعبيرية والتصويرية، ويُعنى بتشكيل صوره الحسية التي بها يقدم معانيه، ويحاول جاهداً أن يوفر الانسجام والتآلف بين مكونات اللغة الشعرية، وعناصرها التشكيلية المتنوعة. وهنا تحضر الباحث مقولة الجاحظ، في معرض كلامه على اللفظ والمعنى في الشعر: (وإنما الشأن في إقامة الوزن، وتخيّر اللفظ، وسهولة المخرج، وكثرة الماء، وفي صحة الطبع، وجودة السبك؛ فإنما الشعر صناعة، وضرب من النسج، وجنس من التصوير) (6).
لقد كان الشاعر، وسيظل يعتمد كثيراً على الحواس في بناء الصورة الشعرية، ولقد وضح هذا الاعتماد وضوحاً شديداً لدى الشاعر القديم، الذي كان يقدّم المعنى الذهني المجرّد المراد التعبير عنه تقديماً حسّيّاً، ويستعين بالصور الحسية للتعبير عن رؤيته للحياة وموقفه منها، وتصوير الحالة النفسية التي يعيشها؛ ولهذا كان للجانب الحسي في الصورة أهمية ملحوظة، جعلت النقاد يصنّفون أبنية الصورة تصنيفات حسية متنوعة (وقد دفعت الأهمية الكبرى للجانب الحسي في الصورة النقاد إلى متابعة علماء النفس في تصنيف أبنية الصورة إلى مجموعات حسية؛ كالصورة البصريّة، والسمعية، والذوقية، والشميّة، واللمسية، والحركية، وإلى تقسيم كل واحدة منها أعداداً أخرى، حسب طبيعة الحاسة، ودرجة تلقيها للصورة شدّة ورخاء وانخفاضاً وارتفاعا) (7).