تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لقد انبثق العشب من جوف الثرى، وخرج إلى الوجود ممتلئاً نضارة، وغطّى أديم الأرض، وجلله بلونه الأخضر المبهج الدالّ على الخصب، كما انبثق النبات من رحم الأرض، وظهر إلى الحياة هو الآخر، ونما، واكتملت نضارته، وانتشر في نواحي الروضة، ليتوحّد مع العشب؛ في الولادة، والوجود، والدلالة على خصوبة الحياة، والنماء، والانبعاث.

والنبات اليانع ينبثق منه كائن آخر، ويظهر إلى الوجود في عالم الروضة، وهو الكوكب – النَّوْر – الزهر الريان الزاهي ؛ أبيضه، وأصفره، يبث روائحه الطيبة الزكية في حنايا الروضة، وجنباتها، وينشر الفرح في دنياها. وقد استعار له الأعشى فعلاً إنسانياً لطيفاً (( يضاحك )) ليغدو كائناً بشرياً مقبلاً على الحياة بفرح غامر، يستجيب لنداء الشمس – الأم الكبرى، ومداعبتها له، فيدور معها حيثما تدور، ويلازمها في حركة خفيفة لا يشعر بها غيرها، ويعبر لها عن فرحه بلقائها، وسعادته بدفئها، ويضاحكها، فيبادلها إشراقاً بإشراق، وضياء بضياء.

ويولي الأعشى هذا الزهر عناية ملحوظة، بوصفه رمزاً من رموز الانبعاث، والتجدد، ينضم إلى العشب، والنبات في دلالاتهما، فيحيطه بأوراق النبات البالغة النضرة، لتحيطه - بدورها – بالرعاية، والعناية، وتؤدي دور الأمومة لهذا الزهر الذي حوّله الشاعر كائناً بشرياً، في استعارة أخرى طريفة، يتّزر بأوراق النبات السامقة المكتملة، كما يتّزر الإنسان بإزار أخضر زاهٍ.

الروضة الغزلية في قصائد قديمة · الصفحة ٢٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الروضة الغزلية في قصائد قديمةص ٢٦