تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومن هنا استطاع عنترة أن يجعل هذا الذباب القبيح المنبوذ المُتَفّه موضوعاً شعرياً جميلاً ذا أبعاد نفسية، وإنسانية، وأن يحاكيه هذه المحاكاة البارعة المتقنة؛ في صورته الشعرية البديعة المخترعة التي أثارت إعجاب الجاحظ، والنقاد الذين تبعوه؛ لما فيها من محاكاة متقنة جعلتهم ينفعلون، ويتأثرون بها، ويرون القبيح البغيض، والمقزز فيها جميلاً، وبديعاً. يقول د. جابر عصفور: الشاعر كالرسام، يمكن أن يوقع المحاكيات في أوهام المتلقين وحواسهم بطريقة تجعلهم ينفعلون أشد الانفعال. بل إن براعته في إيقاع المحاكيات وصياغتها تجعلهم يلتذون بالقبيح، ويرون فيه جمالاً لم يكن قائماً من قبل (26). وفي حسن المحاكاة وإتقانها، وإحساس المتلقي بها، يرى ابن سينا أن اللذة التي يستشعرها المتلقي في الصور القبيحة المستبشعة، لحيوانات كريهة متقزز منها، لا ترجع إلى قبح الشيء المُحاكى أو حسنه في ذاته، وإنما ترجع إلى حسن المحاكاة في ذاتها، وإتقانها (27).

إن ذباب الروضة هو المعادل الفني لعنترة، وهو رمز حيويّ مهمّ في حياة الروضة ولوحتها الشعرية، يمتلئ عزماً وإرادة، ونشاطاً وحيوية، وفرحاً وسعادة ؛ وصورته – بناء على ذلك – صورة رمزية، أضفت على لوحة الروضة حياة، وحركة، وحيوية، وأغنتها بالمعاني الموحية، والدلالات النفسية، وقد أدت وظيفتها في بنية الصورة الكلية للروضة التي حققت رغبات مكبوتة في نفس الشاعر، شقّ عليه تحقيقها في عالم الواقع؛ وأهمها وصال المحبوبة – الروضة، والظفر بها، والانعتاق، والحرية .

وإن الروضة التامة النبت، المرتوية بماء المطر المحيي، والمشرقة الزاهية بما يتلألأ فيها ويشع من الماء والنور والضياء، هي المعادل الفني لعبلة – المحبوبة، وهي رمز أصيل في بنية اللوحة الكلّيّة حافل بدلالات الانبعاث والتجدد، والنماء والخصب، والكمال والجمال، والبهجة والسكينة والأمان.

الروضة الغزلية في قصائد قديمة · الصفحة ٢٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الروضة الغزلية في قصائد قديمةص ٢٠