تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الفرع الأول: نماذج عمليةٌ للرحمة بالعصاة

الفرع الثاني: تطبيقاتٌ استشرافيةٌ للرحمة بالعصاة

الفرع الأول: نماذج عمليةٌ للرحمة بالعصاة.

لعل أحسن وأقرب ميدانٍ ننقب فيه عن هذه التطبيقات هو الوحيان، فسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم ملأى بمواقف الرحمة مع الناس عامةً ومع العصاة بالأخص، قال محمد المنجد: "كان رفيقاً رحيماً بهم ويعاملهم بمبدأ الشفقة والرأفة ويبين لهم شناعة المعصية ويستعمل معهم الخطاب العقلي أحياناً" (1).

وإن أول أنموذجٍ يتبادر إلى ذهن الباحث هو قوله تعالى: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ (2)، فهذا فرعون بلغ ذروة المعصية بادعاء الربوبية، ونرى رب العزة والجلال يطالب بمخاطبته بالقول اللين.

ولننتقل إلى يوم القيامة حين يخرج الله جل وعلا مؤمنين من النار وقد تفحموا، لنتخيل هذه الرحمة التي تنال أناساً ارتكبوا المعاصي وقذفوا في النار، مهما أشدنا بهذه الرحمة فلن نقدرها قدرها، فسبحانك يا أرحم الراحمين، ويروي لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا المشهد في حديث طويلٍ، أقتبس منه المقطع التالي حين قال: "حَتَّى إِذَا خَلَصَ الْمُؤْمِنُونَ مِنَ النَّارِ، مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ بِأَشَدَّ مُنَاشَدَةً لِلَّهِ فِي اسْتِقْصَاءِ الْحَقِّ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لِلَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ فِي النَّارِ، يَقُولُونَ: رَبَّنَا كَانُوا يَصُومُونَ مَعَنَا وَيُصَلُّونَ وَيَحُجُّونَ، فَيُقَالُ لَهُمْ: أَخْرِجُوا مَنْ عَرَفْتُمْ، فَتُحَرَّمُ صُوَرُهُمْ عَلَى النَّارِ، فَيُخْرِجُونَ خَلْقًا كَثِيرًا قَدِ أَخَذَتِ النَّارُ إِلَى نِصْفِ سَاقَيْهِ، وَإِلَى رُكْبَتَيْهِ، ثُمَّ يَقُولُونَ: رَبَّنَا مَا بَقِيَ فِيهَا أَحَدٌ مِمَّنْ أَمَرْتَنَا بِهِ، فَيَقُولُ: ارْجِعُوا فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ دِينَارٍ مِنْ خَيْرٍ فَأَخْرِجُوهُ، فَيُخْرِجُونَ خَلْقًا كَثِيرًا، ويتكرر ذلك مرةً أخرى، فَيَقُولُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: شَفَعَتِ الْمَلَائِكَةُ، وَشَفَعَ النَّبِيُّونَ، وَشَفَعَ الْمُؤْمِنُونَ، وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ، فَيَقْبِضُ قَبْضَةً مِنَ النَّارِ، فَيُخْرِجُ مِنْهَا قَوْمًا لَمْ يَعْمَلُوا خَيْرًا قَطُّ قَدْ عَادُوا حُمَمًا، فَيُلْقِيهِمْ فِي نَهَرٍ فِي أَفْوَاهِ الْجَنَّةِ، فَيَخْرُجُونَ كَاللُّؤْلُؤِ فِي رِقَابِهِمُ الْخَوَاتِمُ، يَعْرِفُهُمْ أَهْلُ الْجَنَّةِ هَؤُلَاءِ عُتَقَاءُ اللهِ الَّذِينَ أَدْخَلَهُمُ اللهُ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ عَمَلٍ عَمِلُوهُ، وَلَا خَيْرٍ قَدَّمُوهُ، ثُمَّ يَقُولُ: ادْخُلُوا الْجَنَّةَ فَمَا رَأَيْتُمُوهُ فَهُوَ لَكُمْ، فَيَقُولُونَ: رَبَّنَا، أَعْطَيْتَنَا مَا لَمْ تُعْطِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ، فَيَقُولُ: لَكُمْ عِنْدِي أَفْضَلُ مِنْ هَذَا، فَيَقُولُونَ: يَا رَبَّنَا، أَيُّ شَيْءٍ أَفْضَلُ مِنْ هَذَا؟ فَيَقُولُ: رِضَايَ، فَلَا أَسْخَطُ عَلَيْكُمْ بَعْدَهُ أَبَدًا " (3).

وهذا الرسول صلى الله عليه وسلم، يبلغ في الرحمة ذروتها، عندما يتحسر ويهلك نفسه لأجل الكفار الذين لم يؤمنوا، مصداقاً لقول العلي الكبير: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾

(1) كَيف عَاملهُم صلى الله عليه وسلم، لمحمد المنجد، ص 658.

(2) سورة طه، الآية:44

(3) أخرجه مسلم في صحيحه، مرجع سابق، 1/ 169. وورد أيضاً عند البخاري بصيغةٍ أخرى، مرجع سابق، (8/ 115)

الرحمة بالعصاة ... الأدلة والمقاصد والتطبيقات · الصفحة ٢٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الرحمة بالعصاة ... الأدلة والمقاصد والتطبيقاتص ٢٢