تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أَرْكَانُ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ:

4 - عَقَدَ الْغَزَالِيُّ فِي إحْيَاءِ عُلُومِ الدِّينِ مَبْحَثًا جَيِّدًا لِأَرْكَانِهِ , وَحَاصِلُهُ مَا يَلِي: الْأَرْكَانُ اللَّازِمَةُ لِلْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ أَرْبَعَةٌ , وَهِيَ: (أ) الْأَمْرُ. (ب) مَا فِيهِ الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ (الْمَامُورُ فِيهِ). (ج) نَفْسُ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ (الصِّيغَةُ). (د) الْمَامُورُ. ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّ لِكُلِّ رُكْنٍ مِنْ الْأَرْكَانِ شُرُوطُهُ الْخَاصَّةُ بِهِ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي: أَوَّلًا: الْآمِرُ وَشُرُوطُهُ: أ - التَّكْلِيفُ , وَلَا يَخْفَى وَجْهُ اشْتِرَاطِهِ , فَإِنَّ غَيْرَ الْمُكَلَّفِ لَا يَلْزَمُهُ أَمْرٌ , وَمَا ذُكِرَ يُرَادُ بِهِ شَرْطُ الْوُجُوبِ , فَأَمَّا إمْكَانُ الْفِعْلِ وَجَوَازُهُ فَلَا يَسْتَدْعِي إلَّا الْعَقْلَ. ب - الْإِيمَانُ , وَلَا يَخْفَى وَجْهُ اشْتِرَاطِهِ , لِأَنَّ هَذَا نُصْرَةٌ لِلدِّينِ , فَكَيْفَ يَكُونُ مِنْ أَهْلِهِ مَنْ هُوَ جَاحِدٌ لِأَصْلِهِ وَمِنْ أَعْدَائِهِ. ج - الْعَدَالَةُ: وَقَدْ اخْتَلَفُوا فِي هَذَا الشَّرْطِ , فَاعْتَبَرَهَا قَوْمٌ , وَقَالُوا: لَيْسَ لِلْفَاسِقِ أَنْ يَامُرَ وَيَنْهَى , وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَتَامُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾. وقوله تعالى: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾. وَقَالَ آخَرُونَ: لَا تُشْتَرَطُ فِي الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ الْعِصْمَةُ مِنْ الْمَعَاصِي كُلِّهَا , وَإِلَّا كَانَ خَرْقًا لِلْإِجْمَاعِ , وَلِهَذَا قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: إذَا لَمْ يَامُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَ عَنْ الْمُنْكَرِ إلَّا مَنْ لَا يَكُونُ فِيهِ شَيْءٌ لَمْ يَامُرْ أَحَدٌ بِشَيْءٍ. وَقَدْ ذُكِرَ ذَلِكَ عِنْدَ مَالِكٍ فَأَعْجَبَهُ. وَاسْتَدَلَّ أَصْحَابُ هَذَا الرَّايِ بِأَنَّ لِشَارِبِ الْخَمْرِ أَنْ يُجَاهِدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ , وَكَذَلِكَ ظَالِمُ الْيَتِيمِ , وَلَمْ يَمْنَعُوا مِنْ ذَلِكَ لَا فِي عَهْدِ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم وَلَا بَعْدَهُ.

ثَانِيًا: مَحَلُّ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ وَشُرُوطُهُ: أ - كَوْنُ الْمَامُورِ بِهِ مَعْرُوفًا فِي الشَّرْعِ , وَكَوْنُ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ مَحْظُورَ الْوُقُوعِ فِي الشَّرْعِ. ب - أَنْ يَكُونَ مَوْجُودًا فِي الْحَالِ , وَهَذَا احْتِرَازٌ عَمَّا فُرِغَ مِنْهُ. ج - أَنْ يَكُونَ الْمُنْكَرُ ظَاهِرًا بِغَيْرِ تَجَسُّسٍ , فَكُلُّ مَنْ أَغْلَقَ بَابَهُ لَا يَجُوزُ التَّجَسُّسُ عَلَيْهِ , وَقَدْ نَهَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا﴾ وَقَالَ: ﴿وَاتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾ وَقَالَ: ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَانِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾. د - أَنْ يَكُونَ الْمُنْكَرُ مُتَّفَقًا عَلَى تَحْرِيمِهِ بِغَيْرِ خِلَافٍ مُعْتَبَرٍ , فَكُلُّ مَا هُوَ مَحَلُّ اجْتِهَادٍ فَلَيْسَ مَحَلًّا لِلْإِنْكَارِ , بَلْ يَكُونُ مَحَلًّا لِلْإِرْشَادِ , يُنْظَرُ مُصْطَلَحُ (إرْشَادٌ).

ثَالِثًا: الشَّخْصُ الْمَامُورُ أَوْ الْمَنْهِيُّ: وَشَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ بِصِفَةٍ يَصِيرُ الْفِعْلُ الْمَمْنُوعُ مِنْهُ فِي حَقِّهِ مُنْكَرًا , وَلَا يُشْتَرَطُ كَوْنُهُ مُكَلَّفًا , إذْ لَوْ شَرِبَ الصَّبِيُّ الْخَمْرَ مُنِعَ مِنْهُ وَأُنْكِرَ عَلَيْهِ , وَإِنْ كَانَ قَبْلَ الْبُلُوغِ. وَلَا يُشْتَرَطُ كَوْنُهُ مُمَيِّزًا , فَالْمَجْنُونُ أَوْ الصَّبِيُّ غَيْرُ الْمُمَيَّزِ لَوْ وُجِدَا يَرْتَكِبَانِ مُنْكَرًا لَوَجَبَ مَنْعُهُمَا مِنْهُ.

رَابِعًا: نَفْسُ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ: وَلَهُ دَرَجَاتٌ وَآدَابٌ. أَمَّا الدَّرَجَاتُ فَأَوَّلُهَا التَّعْرِيفُ , ثُمَّ النَّهْيُ , ثُمَّ الْوَعْظُ وَالنُّصْحُ , ثُمَّ التَّعْنِيفُ , ثُمَّ التَّغْيِيرُ بِالْيَدِ , ثُمَّ التَّهْدِيدُ بِالضَّرْبِ , ثُمَّ إيقَاعُ الضَّرْبِ , ثُمَّ شَهْرُ السِّلَاحِ , ثُمَّ الِاسْتِظْهَارُ فِيهِ بِالْأَعْوَانِ وَالْجُنُودِ. وَسَيَاتِي تَفْصِيلُ ذَلِكَ.

مَرَاتِبُ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ:

الرد على صاحب كتاب مذهب ابن آدم الأول · الصفحة ١٠٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الرد على صاحب كتاب مذهب ابن آدم الأولص ١٠٢