على أبلغ وجه حيث جيء بإن المفيدة للتأكيد وبلن ونفيها آكد من نفي غيرها، وعدل عن لن تصبر
إلى ﴿لن تستطيع﴾ المفيد لنفي الصبر بطريق برهاني لأن الاستطاعة مما يتوقف عليه الفعل فيلزم
من نفيه نفيه. ونكر ﴿صبراً﴾ في سياق النفي وذلك يفيد العموم أي لا تصبر معي أصلاً شيئاً من
الصبر، وعلل ذلك بقوله:
وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا (68)
﴿وَكَيْفَ تَصْبِرُ على مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً﴾ إيذاناً بأنه عليه السلام يتولى أموراً خفية المراد منكرة الظواهر والرجل الصالح لا سيما صاحب الشريعة لا يتمالك أن يشمئز عند مشاهدتها وكأنه علم مع ذلك حدة موسى عليه السلامومزيد غيرته التي أوصلته إلى أن أخذ برأس أخيه يجره، ونصب ﴿خُبْراً﴾ على التمييز المحول عن الفاعل والأصل ما لم يحط به خبرك، وهو من خبر الثلاثي من باب نصر وعلم ومعناه عرف، وجوز أن يكون مصدراً وناصبه ﴿تُحِطْ﴾ لأنه يلاقيه في المعنى لأن الإحاطة تطلق اطلاقاً شائعاً على المعرفة فكأنه قيل لم تخبره خبرا. وقرأ الحسن. وابن هرمز ﴿خُبْراً﴾ بضم الباء. واستدلوا بالآية كما قال الإمام وغيره على أن الاستطاعة لا تحصل قبل الفعل قالوا: لو كانت الاستطاعة حاصلة قبل حصول الفعل لكانت الاستطاعة على الصبر حاصلة قبل حصول الصبر فيكون نفيها كذباً وهو باطل فتعين أن لا تكون قبل الفعل. وأجاب الجبائي بأن المراد من هذا القول أنه يثقل عليك الصبر كما يقال في العرف إن فلاناً لا يستطيع أن يرى فلاناً وأن يجالسه إذا كان يثقل عليه ذلك. وتعقبه الإمام بأنه عدول عن الظاهر وأيد الاستدلال بما أيد، والانصاف أن الاستدلال بها على ما ذكر غير ظاهر لأن المراد ليس الأنفي الصبر بنفي ما يتوقف هو عليه أعني الاستطاعة وهذا حاصل سواء كانت حاصلة قبل أو مقارنة، ثم أن القول بأن الاستطاعة قبل الفعل ليس خاصاً بالمعتزلة بل المفهوم من كلام الشيخ إبراهيم الكوراني أنه مذهب السلف أيضاً وتحقيق ذلك في محله.
قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا (69)
﴿قَالَ﴾ موسى عليه السلام ﴿سَتَجِدُنِى إِن شَاء الله صَابِرًا﴾ معك غير معترض عليك ﴿وَلاَ أَعْصِى لَكَ أمْراً﴾ عطف على ﴿صَابِراً﴾ والفعل يعطف على المفرد المشتق كما في قوله تعالى: ﴿صافات وَيَقْبِضْنَ﴾ [الملك: 19] بتأويل أحدهما بالآخر، والأولى فيما نحن فيه التأويل في جانب المعطوف أي ستجدني صابراً وغير عاص، وفي وعد هذا الوجدان من المبالغة ما ليس في الوعد بنفس الصبر وترك العصيان أو على ﴿سَتَجِدُنِى﴾ والجملة على الأول في محل نصب لأنها معطوفة على المفعول الثاني للوجدان، وعلى الثاني لا محل لها من الإعراب على ما في الكشاف. واستشكل بأن الظاهر أن محلها النصب أيضاً لتقدم القول. وأجيب بأن مقول القول هو مجموع المعطوف والمعطوف عليه فلا يكون لأجزائه محل باعتبار الأصل، وقيل: مراد الزمخشري بيان حال العطف في القول المحكي عن